أما في جانب المخلدين في الجنة ، فقد جاء قوله تعالى: « عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ » مؤذنا بأن هذا العطاء الذي أعطوه في الجنة ، لن ينقطع أبدا .. واللّه أعلم. [1]
فأما وقد جاءتهم البينة من قبل في دياناتهم على أيدي رسلهم؛ ثم جاءتهم البينة ، حية في صورة رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة؛ ويقدم لهم عقيدة ، واضحة بسيطة ميسرة ، فقد تبين الطريق . ووضح مصير الذين يكفرون والذين يؤمنون: { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية . جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا . رضى الله عنهم ورضوا عنه ، ذلك لمن خشي ربه } . .
إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هو الرسول الأخير؛ وإن الإسلام الذي جاء به هو الرسالة الأخيرة . وقد كانت الرسل تتوالى كلما فسدت الأرض لترد الناس إلى الصلاح . وكانت هناك فرصة بعد فرصة ومهلة بعد مهلة ، لمن ينحرفون عن الطريق فأما وقد شاء الله أن يختم الرسالات إلى الأرض بهذه الرسالة الأخيرة الجامعة الشاملة الكاملة ، فقد تحددت الفرصة الأخيرة ، فإما إيمان فنجاة ، وإما كفر فهلاك . ذلك أن الكفر حينئذ دلالة على الشر الذي لا حد له ، وأن الإيمان دلالة على الخير البالغ أمده .
{ إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها . أولئك هم شر البرية } حكم قاطع لا جدال فيه ولا محال . مهما يكن من صلاح بعض أعمالهم وآدابهم ونظمهم ما دامت تقوم على غير إيمان ، بهذه الرسالة الأخيرة ، وبهذا الرسول الأخير . لا نستريب في هذا الحكم لأي مظهر مظاهر الصلاح ، المقطوعة الاتصال بمنهج الله الثابت القويم .
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، أولئك هم خير البرية } .حكم كذلك قاطع لا جدال فيه ولا محال . ولكن شرطه كذلك واضح لا غموض فيه ولا احتيال . إنه الإيمان . لا مجرد مولد في أرض تدعى الإسلام ، أو في بيت يقول: إنه من المسلمين . ولا بمجرد كلمات يتشدق بها الإنسان! إنه الإيمان الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة: { وعملوا الصالحات } . وليس هو الكلام الذي لا يتعدى الشفاه! والصالحات هي كل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل .
وفي أولها إقامة شريعة الله في الأرض ، والحكم بين الناس بما شرع الله . فمن كانوا كذلك فهم خير البرية .
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1645)