الصفحة 880 من 1282

{ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا } . .جنات للإقامة الدائمة في نعيمها الذي يمثله هنا الأمن من الفناء والفوات . والطمأنينة من القلق الذي يعكر وينغص كل طيبات الأرض . . كما يمثله جريان الأنهار من تحتها ، وهو يلقي ظلال النداوة والحياة والجمال!

ثم يرتقي السياق درجة أو درجات في تصوير هذا النعيم المقيم:

{ رضي الله عنهم ورضوا عنه } . .هذا الرضا من الله وهو أعلى وأندى من كل نعيم . . وهذا الرضا في نفوسهم عن ربهم . الرضا عن قدره فيهم . والرضا عن إنعامه عليهم . والرضا بهذه الصلة بينه وبينهم . الرضا الذي يغمر النفس بالهدوء والطمأنينة والفرح الخالص العميق .

إنه تعبير يلقي ظلاله بذاته . . { رضي الله عنهم ورضوا عنه } حيث يعجز أي تعبير آخر عن إلقاء مثل هذه الظلال!

{ ذلك لمن خشي ربه } .وذلك هو التوكيد الأخير . التوكيد على أن هذا كله متوقف على صلة القلب بالله ، ونوع هذه الصلة ، والشعور بخشيته خشية تدفع إلى كل صلاح ، وتنهى عن انحراف . . الشعور الذي يزيح الحواجز ، ويرفع الأستار ، ويقف القلب عاريًا أمام الواحد القهار . والذي يخلص العبادة ويخلص العمل من شوائب الرياء والشرك في كل صورة من صوره . فالذي يخشى ربه حقًا لا يملك أن يُخطر في قلبه ظلًا لغيره من خلقه . وهو يعلم أن الله يرد كل عمل ينظر فيه العبد إلى غيره معه ، فهو أغنى الشركاء عن الشرك . فإما عمل خالص له ، وإلا لم يقبله .

تلك الحقائق الأربعة الكبيرة هي مقررات هذه السورة الصغيرة ، يعرضها القرآن بأسلوبه الخاص ، الذي يتجلى بصفة خاصة في هذه السور القصار . . [1]

ما ترشد إليه الآياتُ

1-بيان جزاء من كفر بالإِسلام من سائر الناس وأنه بئس الجزاء .

2-بيان جزاء من آمن بالإِسلام ودخل فيه وطبق قواعده واستقام على الأمر والنهي فيه وهو نعم الجزاء رضى الله والخلود في دار السلام .

3-فضل الخشية إن حملت صاحبها على طاعة الله ورسوله فأطاعهما بأداء الفرائض وترك المحرمات في الاعتقاد والقول والعمل .

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3952)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت