الصفحة 911 من 1282

وليس هذا الذي رآه الناس من أحداث الأرض يومئذ هو من تلقاء نفسها ، وإنما ذلك بما أوحى به إليها ربّها ، وما أمرها اللّه به ، فامتثلت له ، وأمضته كما أمر اللّه ..

وفى قوله تعالى: « أوحى لها » ـ إشارة إلى أنها بمجرد الإشارة إليها من اللّه ، خضعت لمشيئة اللّه .. فلم تكن في خضوعها لربها محتاجة لأن يردّد عليها القول ، أو يؤكد لها الأمر .. بل هو مجرد اللمح والإشارة .. وهذا هو شأن الخاضع المطيع ، الذي لا إرادة له مع من يأمره .. إنه لا يحتاج إلى أمر صريح مؤكد ، بل تغنى الإشارة عن العبارة ..

فالوحى هنا ، هو التلميح ، دون التصريح ، والإشارة دون العبارة .. وهذا من معنى قوله تعالى: « وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ، وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ » أي حق ووجب عليها الامتثال والطاعة.

قوله تعالى: « يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ » .

أي في هذا اليوم ، يوم البعث ، يصدر الناس ، أي يجىء الناس ، صادرين من قبورهم « أشتاتا » أي أفرادا ، متفرقين ، كأنهم جراد منتشر ، إلى حيث يردون على المحشر في موقف الحساب .. فللناس في هذا اليوم صدور ، وورود ..

صدور من القبور ، وورود إلى المحشر.

وقوله تعالى: « لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ » هو تعليل لهذا الصدور ، أي وذلك ليروا أعمالهم التي عملوها في الدنيا. « يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ » . وقوله تعالى: « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » .أي فمن يعمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير ، يره خيرا في الآخرة ، ومن يعمل في دنياه مثقال ذرة من شر ، يره شرا يوم القيامة .. فليس المراد برؤية الأعمال تجرد الرؤية ، وإنما المراد هو ماوراء هذه الأعمال من جزاء .. فالعمل الطيب إذا رآه صاحبه سرّ به ، ورأى في وجهه البشير الذي يحمل إليه رحمة اللّه ورضوانه في هذا اليوم العظيم .. والعمل السيء إذا رآه صاحبه حاضرا بين يديه في مقام الحساب ، ساءه ذلك ، وملأ نفسه حسرة وغما ، إذ كان هو الشاهد الذي يشهد بتأثيمه وتجريمه.

ومثقال الذرة: وزنها.والذرة: هباءة من غبار ، لا ترى إلا في ضوء الشمس المتسلل من كوّة في مكان مظلم .. وعن ابن عباس: الذرّ ما يلتصق بيدك إذا مست التراب. [1]

إنه يوم القيامة حيث ترتجف الأرض الثابتة ارتجافًا ، وتزلزل زلزالا ، وتنفض ما في جوفها نفضًا ، وتخرج ما يثقلها من أجساد ومعادن وغيرها مما حملته طويلًا . وكأنها تتخفف من هذه الأثقال ، التي حملتها طويلًا!

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1649)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت