وهو مشهد يهز تحت أقدام المستمعين لهذه السورة كل شيء ثابت؛ ويخيل إليهم أنهم يترنحون ويتأرجحون ، والأرض من تحتهم تهتز وتمور! مشهد يخلع القلوب من كل ما تتشبث به من هذه الأرض ، وتحسبه ثابتًا باقيًا؛ وهو الإيحاء الأول لمثل هذه المشاهد التي يصورها القرآن ، ويودع فيها حركة تكاد تنتقل إلى أعصاب السامع بمجرد سماع العبارة القرآنية الفريدة!
ويزيد هذا الأثر وضوحًا بتصوير « الإنسان » حيال المشهد المعروض ، ورسم انفعالاته وهو يشهده: { وقال الإنسان: ما لها؟ } . .
وهو سؤال المشدوه المبهوت المفجوء ، الذي يرى ما لم يعهد ، ويواجه ما لا يدرك ، ويشهد ما لا يملك الصبر أمامه والسكوت . مالها؟ ما الذي يزلزلها هكذا ويرجها رجا؟ مالها؟ وكأنه يتمايل على ظهرها ويترنح معها؛ ويحاول أن يمسك بأي شيء يسنده ويثبته ، وكل ما حوله يمور مورًا شديدًا!
« والإنسان » قد شهد الزلازل والبراكين من قبل . وكان يصاب منها بالهلع والذعر ، والهلاك والدمار ، ولكنه حين يرى زلزال يوم القيامة لا يجد أن هناك شبهًا بينه وبين ما كان يقع من الزلازل والبراكين في الحياة الدنيا . فهذا أمر جديد لا عهد للإنسان به . أمر لا يعرف له سرًا ، ولا يذكر له نظيرًا . أمر هائل يقع للمرة الأولى!
{ يومئذ } . . يوم يقع هذا الزلزال ، ويُشدَه أمامه الإنسان { تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها } . . يومئذ تحدث هذه الأرض أخبارها ، وتصف حالها وما جرى لها . . لقد كان ما كان لها { بأن ربك أوحى لها } . . وأمرها أن تمور مورًا ، وأن تزلزل زلزالها ، وأن تخرج أثقالها! فأطاعت أمر ربها { وأذنت لربها وحقت } تحدث أخبارها . فهذا الحال حديث واضح عما وراءه من أمر الله ووحيه إليها . .
وهنا و { الإنسان } مشدوه مأخوذ ، والإيقاع يلهث فزعًا ورعبًا ، ودهشة وعجبا ، واضطرابًا ومورًا . . هنا و { الإنسان } لا يكاد يلتقط أنفاسه وهو يتساءل: مالها مالها؟ هنا يواجه بمشهد الحشر والحساب والوزن والجزاء: يومئذ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم .
فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره .
وفي لمحة نرى مشهد القيام من القبور: { يومئذ يصدر الناس أشتاتًا } . . نرى مشهدهم شتيتًا منبعثًا من أرجاء الأرض { كأنهم جراد منتشر } . . وهو مشهد لا عهد للأنسان به كذلك من قبل . مشهد الخلائق في أجيالها جميعًا تنبعث من هنا ومن هناك: { يوم تشقق الأرض عنهم سراعًا } وحيثما امتد البصر رأى شبحًا ينبعث ثم ينطلق مسرعًا! لا يلوي على شيء ، ولا ينظر وراءه ولا حواليه: { مهطعين إلى الداع } ممدودة رقابهم ، شاخصة أبصارهم . لكل