الصفحة 913 من 1282

امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه إنه مشهد لا تعبر عن صفته لغة البشر . هائل مروّع . مفزع . مرعب . مذهل . .

كل أولئك وسائر ما في المعجم من أمثالها لا تبلغ من وصف هذا المشهد شيئًا مما يبلغه إرسال الخيال قليلًا يتملاه بقدر ما يملك وفي حدود ما يطيق!

{ يومئذ يصدر الناس أشتاتًا } . . { ليروا أعمالهم } . . وهذه أشد وأدهى . . إنهم ذاهبون إلى حيث تعرض عليهم أعمالهم ، ليواجهوها ، ويواجهوا جزاءها . ومواجهة الإنسان لعمله قد تكون أحيانًا أقسى من كل جزاء . وإن من عمله ما يهرب من مواجهته بينه وبين نفسه ، ويشيح بوجهه عنه لبشاعته حين يتمثل له في نوبة من نوبات الندم ولذع الضمير . فكيف به وهو يواجه بعمله على رؤوس الأشهاد ، في حضرة الجليل العظيم الجبار المتكبر؟!

إنها عقوبة هائلة رهيبة . . مجرد أن يُروا أعمالهم ، وأن يواجهوا بما كان منهم!

ووراء رؤيتها الحساب الدقيق الذي لا يدع ذرة من خير أو من شر لا يزنها ولا يجازي عليها .

{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره } . .ذرة . . كان المفسرون القدامى يقولون: إنها البعوضة . وكانوا يقولون: إنها الهباءة التي ترى في ضوء الشمس . . فقد كان ذلك أصغر ما يتصورون من لفظ الذرة . . .

فنحن الآن نعلم أن الذرة شيء محدد يحمل هذا الاسم ، وأنه أصغر بكثير من تلك الهباءة التي ترى في ضوء الشمس ، فالهباءة ترى بالعين المجردة . أما الذرة فلا ترى أبدًا حتى بأعظم المجاهر في المعامل . إنما هي « رؤيا » في ضمير العلماء! لم يسبق لواحد منهم أن رآها بعينه ولا بمجهره . وكل ما رآه هو آثارها!

فهذه أو ما يشبهها من ثقل ، من خير أو شر ، تحضر ويراها صاحبها ويجد جزاءها! . .

عندئذ لا يحقر « الإنسان » شيئًا من عمله . خيرًا كان أو شرًا . ولا يقول: هذه صغيرة لا حساب لها ولا وزن . إنما يرتعش وجدانه أمام كل عمل من أعماله ارتعاشه ذلك الميزان الدقيق الذي ترجح به الذرة أو تشيل!

إن هذا الميزان لم يوجد له نظير أو شبيه بعد في الأرض . . إلا في القلب المؤمن . .

القلب الذي يرتعش لمثقال ذرة من خير أو شر . . وفي الأرض قلوب لا تتحرك للجبل من الذنوب والمعاصي والجرائر . .

ولا تتأثر وهي تسحق رواسي من الخير دونها رواسي الجبال ..

إنها قلوب عتلة في الأرض ، مسحوقة تحت أثقالها تلك في يوم الحساب!! [1]

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3954)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت