الصفحة 927 من 1282

والضبح: ما يخرج من صدور الخيل من أصوات وهى تعدو ، أشبه بأنفاس الإنسان وهو يلهث أثناء الجري .. وسمى ضبحا حكاية لصوت الخيل الذي يشبه صوت هذا اللفظ عند النطق به « ضبح » .

والمقسم به هنا ، هو الخيل ، في حال عدوها ، حاملة فرسانها إلى ميدان القتال .. فهى تعدو ضابحة ، وهى في عدوها تورى نارا تنقدح من احتكاك حوافرها بالحجارة التي تعدو عليها ..

وفى هذا ما يشير إلى أنها تسير تحت جنح الظلام بفرسانها حتى لا تراها عين العدوّ ، وحتى لا ينذر بها هذا العدوّ ، ويأخذ حذره من المفاجأة حين تطلع عليه على غير انتظار ، ولهذا يظهر هذا الشرر الذي ينقدح من احتكاك حوافرها بالصوّان .. كما يقول الشاعر في وصف سيوف الأبطال في الحرب:

تقدّ السلوقىّ المضاعف نسجه وتوقد بالصّفاح نار الحباحب

فإذا بلغت الخيل المكان الذي تشرف به على عدوّها ، أمسكت عن السير ، حتى تهجم عليه وتبغته على حين غفلة منه ، مع مطلع الصبح ، قبل أن يدبّ دبيب الحياة في الأحياء.

فهذه ثلاثة أقسام بالحيل في مسيرتها نحو الحرب .. فأقسم بها سبحانه ، وهى في أول طريقها إلى القتال ، ثم أقسم بها ، وهى تكيد العدو ، فتسير إليه ليلا ، وتستخفى نهارا ، ثم أقسم بها ، وهى تلقى العدوّ بغتة مع أول النهار.

وفى هذا تعظيم لمسيرة هذه الخيل في كل حال من أحوالها ، وإنها لجدير بها أن تكون خيل المؤمنين ، التي تسير هذه المسيرة المباركة للجهاد في سبيل اللّه ، وإن هذا التدبير لجدير أن يكون من تدبير المؤمنين في لقاء العدوّ ، فيلقون عدوّهم بالعدد ، والعدد ، وبالتدبير والمكيدة.

وبهذا يكتب لهم الغلب ، ويتحقق لهم النصر.

قوله تعالى: « ضَبْحًا ، وقَدْحًا ، وصُبْحًا » منصوبة على الحال من العاديات .. بمعنى ضابحة ، وقادحة ، ومصبحة العدوّ ..

قوله تعالى: « فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا » .

هو إلفات إلى موقف الخيل ، وقد دخلت ميدان القتال ، إنها تثير فيه النقع ، أي الغبار بحركاتها ، وتنقّل فرسانها عليها ، بين كرّ وفرّ ، ومحاورة ومداورة ، انتهازا للفرصة التي تمكّن من العدو ، وتصيبه في مقاتله.

والضمير في « به » يعود إلى ميدان القتال المفهوم من مسيرة هذه الخيل العادية .. إنها الخيل تعدو إلى جهاد في سبيل اللّه ، وليست الخيل التي تعدو للصيد واللهو ، ونحو هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت