فهرس الكتاب
قوله تعالى: « فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا » .. إشارة إلى أنها وإن جاءت فرادى ، وهى متجهة إلى ميدان القتال ، فإنها لا تشتبك مع العدوّ في الحرب إلا مجتمعة ، حيث يضرب المغيرون عليها عدوّهم بيد مجتمعة قوية متمكنة.
وفى قوله تعالى: « فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا » إشارة أخرى إلى أنّ هذه الخيل إنما تدخل المعمعة بفرسانها ، وتهجم على قلب العدوّ ، وتدخل في كيانه ، لا أنها تخطف الخطفة من بعد ، دون أن تلتحم بالعدوّ ، وتختلط به ، وفى العطف بالفاء في قوله تعالى: « فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا » ـ في هذا ما يشعر بأن هذين الفعلين من أفعال الخيل العاديات ، وأنهما داخلان في حيّز القسم بها ، والتقدير: والعاديات ضبحا ، فالموريات قدحا ، فالمغيرات صبحا ، فالمثيرات به نقعا ، فالمتوسطات به جمعا.
وكل هذا الذي يشير إليه القرآن الكريم ، هو تخطيط للحرب ، ولما ينبغى أن يكون من تدبير جيش المسلمين في لقاء العدوّ .. فهو درس بليغ في الحرب ، يأتى عرضا ، فيكون أثره أبلغ وأوقع من الدرس المباشر ، الذي يواجه الإنسان مواجهة الأستاذ لتلميذه .. فلقد جاء العرض للخيل ، وفرسانها ، وأفعالهم في الحرب ، والمسلمون محصورون في مكة ، واقعون تحت قبضة المشركين ، لا يدور في تفكيرهم أبدا أنهم سيكونون يوما هم فرسان هذه الخيل ، وهم جنود اللّه ، تعدو بهم هذه العاديات إلى الجهاد في سبيل اللّه ، فيمكن اللّه لدينه بهم في الأرض ، ويقيم بهم دولة الإسلام!.
يقول الأستاذ الإمام محمد عبده ، معلقا على هذا الدرس الذي يلقّنه القرآن الكريم لأتباعه في الإعداد للحرب ، والتمكن من وسائلها:
« أفليس من أعجب العجب أن ترى أمما ـ وخير من هذا أن يقال أمّة ، لأن المسلمين أمة لا أمم ـ هذا كتابها ، قد أهملت شأن الخيل والفروسية ، إلى أن صار يشار إلى راكبها بينهم بالهزء والسخرية ، وأخذت كرام الخير تهجر بلادهم إلى بلاد أخرى ؟ .
« أليس من أغرب ما يستغرب أن أناسا يزعمون أن هذا الكتاب كتابهم ، يكون طلاب العلوم الدينية منهم أشدّ الناس رهبة من ركوب الخيل ، وأبعدهم عن صفات الرجولة ، حتى وقع من أحد أساتذتهم المشار إليه بالبنان ، عند ما كنت أكلّمه في منافع بعض العلوم وفوائدها في علم الدين ـ أن قال لى: « إذا كان كل ما يفيد في الدين نعلّمه لطلبة العلم ، كان علينا إذن أن نعلمهم ركوب الخيل ؟ ! « يقول هذا ليفحمنى ، وتقوم له الحجة علىّ ، كأنّ تعليم ركوب الخيل مما لا يليق ولا ينبغى لطلبة العلم ، وهم يقولون: إن العلماء ورثة الأنبياء .. فهل هذه الأعمال ، وهذه العقائد تتفق مع الإيمان بهذا الكتاب ؟
أنصف واحكم » !.