الصفحة 961 من 1282

ثم يقرع قلوبهم بهول ما ينتظرهم هناك بعد زيارة المقابر في إيقاع رزين: { كلا سوف تعلمون } . .ويكرر هذا الإيقاع بألفاظه وجرسه الرهيب الرصين: { ثم كلا سوف تعلمون } .

ثم يزيد التوكيد عمقًا ورهبة . وتلويحًا بما وراءه من أمر ثقيل . لا يتبينون حقيقته الهائلة في غمرة الخمار والاستكثار: { كلا لو تعلمون علم اليقين } . .ثم يكشف عن هذه الحقيقة المطوية الرهيبة: { لتروُنّ الجحيم } . .ثم يؤكد هذه الحقيقة ويعمق وقعها الرهيب في القلوب: { ثم لتروّنها عين اليقين } . .ثم يلقي بالإيقاع الأخير ، الذي يدع المخمور يفيق ، والغافل يتنبه ، والسادر يتلفت ، والناعم يرتعش ويرتجف مما في يديه من نعيم: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } !

لتسألن عنه من أين نلتموه؟ وفيم أنفقتموه؟ أمن طاعة وفي طاعة؟ أم من معصية وفي معصية؟ أمن حلال وفي حلال؟ أم من حرام وفي حرام؟ . هل شكرتم؟ هل أديتم؟ هل شاركتم؟ هل استأثرتم؟

{ لتسألن } عما تتكاثرون به وتتفاخرون . . فهو عبء تستخفونه في غمرتكم ولهوكم ولكن وراءه ما وراءه من هم ثقيل!

إنها سورة تعبر بذاتها عن ذاتها . وتلقي في الحس ما تلقي بمعناها وإيقاعها . وتدع القلب مثقلًا مشغولًا بهم الآخرة عن سفساف الحياة الدنيا وصغائر اهتماماتها التي يهش لها الفارغون!

إنها تصور الحياة الدنيا كالومضة الخاطفة في الشريط الطويل . . { ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر } . . وتنتهي ومضة الحياة وتنطوي صفحتها الصغيرة . . ثم يمتد الزمن بعد ذلك وتمتد الأثقال؛ ويقوم الأداء التعبيري ذاته بهذا الإيحاء . فتتسق الحقيقة مع النسق التعبيري الفريد . .

وما يقرأ الإنسان هذه السورة الجليلة الرهيبة العميقة ، بإيقاعاتها الصاعدة الذاهبة في الفضاء إلى بعيد في مطلعها ، الرصينة الذاهبة إلى القرار العميق في نهايتها . . حتى يشعر بثقل ما على عاتقه من أعقاب هذه الحياة الوامضة التي يحياها على الأرض ، ثم يحمل ما يحمل منها ويمضي به مثقلًا في الطريق!

ثم ينشئ يحاسب نفسه على الصغير والزهيد!!! [1]

ما ترشد إليه الآياتُ

1 -يحذر اللَّه تعالى من ترك العمل الصالح والاستعداد للآخرة ، ويوبخ الذين تشغلهم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة اللَّه ، حتى يموتوا ويدفنوا في المقابر.

والتوبيخ عام يشمل التفاخر بكل شيء من الأموال والأولاد ، والقبائل والعشائر ، والسلطة والجاه ، والرجال والأعوان ، فهو يتضمن التفاخر بالنفس وهي العلوم والأخلاق الفاضلة ،

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3962)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت