الصفحة 98 من 1282

هو مقام قلق ، وإزعاج ، لا ينبغى للعاقل أن يقيم وجوده عليه ، بل ينبغى أن يسعى إلى التحول عنه ، والنظر إلى ما وراءه ، والرجاء في حياة أكرم ، وأفضل ، وأبقى ..

وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا » (110: الكهف) قوله تعالى: « وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا » أي وكل شىء كان أو يكون في هذا الوجود محصّى في كتاب مبين ..

وكذلك أعمال هؤلاء المكذبين الضالين محصاة عليهم ، مسجلة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

قوله تعالى: . « فَذُوقُوا .. فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا » هو من سياط البلاء والنكال التي تنهال على أصحاب النار ، وهم على هذا المورد الوبيل ، أن يشربوا من هذا العذاب ، وأن يتجرعوا كئوسه الملأى بالحميم والغساق ، وأن ما هم فيه في لحظتهم تلك أهون مما يذوقونه في كل لحظة آتية .. إنهم ينتقلون من عذاب إلى ما هو أشد منه ، حالا بعد حال ، ولحظة بعد لحظة ، فليبادروا بشرب ما بأيديهم ، قبل أن يشتد لهيبا ، ويزداد غليانا [1]

إن الناس لم يخلقوا عبثًا ، ولن يتركوا سدى . والذي قدر حياتهم ذلك التقدير الذي يشي به المقطع الماضي في السياق ، ونسق حياتهم مع الكون الذي يعيشون فيه ذلك التنسيق ، لا يمكن أن يدعهم يعيشون سدى ويموتون هملًا! ويصلحون في الأرض أو يفسدون ثم يذهبون في التراب ضياعًا! ويهتدون في الحياة أو يضلون ثم يلقون مصيرًا واحدًا . ويعدلون في الأرض أو يظلمون ثم يذهب العدل والظلم جميعًا!

إن هناك يومًا للحكم والفرقان والفصل في كل ما كان . وهو اليوم المرسوم الموعود الموقوت بأجل عند الله معلوم محدود: { إن يوم الفصل كان ميقاتًا } . .وهو يوم ينقلب فيه نظام هذا الكون وينفرط فيه عقد هذا النظام .

{ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا . وفتحت السماء فكانت أبوابًا ، وسيرت الجبال فكانت سرابًا } . .

والصور: البوق . ونحن لا ندري عنه إلا اسمه . ولا نعلم إلا أنه سينفخ فيه . وليس لنا أن نشغل أنفسنا بكيفية ذلك . فهي لا تزيدنا إيمانًا ولا تأثرًا بالحادث . وقد صان الله طاقتنا عن أن تتبدد في البحث وراء هذا الغيب المكنون ، وأعطانا منه القدر الذي ينفعنا فلا نزيد! إنما نحن نتصور النفخة الباعثة المجمعة التي يأتي بها الناس أفواجًا . . نتصور هذا المشهد والخلائق التي توارت شخوصها جيلًا بعد جيل ، وأخلت وجه الأرض لمن يأتي بعدها كي لا يضيق بهم

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1419)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت