الصفحة 99 من 1282

وجه الأرض المحدود . . نتصور مشهد هذه الخلائق جميعًا . . أفواجًا . . مبعوثين قائمين آتين من كل فوج إلى حيث يحشرون . ونتصور الأجداث المبعثرة وهذه الخلائق منها قائمة . ونتصور الجموع الحاشدة لا يعرف أولها آخرها ، ونتصور هذا الهول الذي تثيره تلك الحشود التي لم تتجمع قط في وقت واحد وفي ساعة واحدة إلا في هذا اليوم . . أين؟ لا ندري . . ففي هذا الكون الذي نعرفه أحداث وأهوال جسام: { وفتحت السماء فكانت أبوابًا . وسيرت الجبال فكانت سرابًا } . .

السماء المبنية المتينة . . فتحت فكانت أبوابًا . . فهي منشقة . منفرجة . كما جاء في مواضع وسور أخرى . على هيئة لا عهد لنا بها . والجبال الرواسي الأوتاد سيرت فكانت سرابًا . فهي مدكوكة مبسوسة مثارة في الهواء هباء ، يحركه الهواء كما جاء في مواضع وسور أخرى . ومن ثم فلا وجود لها كالسراب الذي ليس له حقيقة . أو إنها تنعكس إليها الأشعة وهي هباء فتبدو كالسراب!

إنه الهول البادي في انقلاب الكون المنظور ، كالهول البادي في الحشر بعد النفخ في الصور .

وهذا هو يوم الفصل المقدر بحكمة وتدبير . .

ثم يمضي السياق خطوة وراء النفخ والحشر ، فيصور مصير الطغاة ومصير التقاة . بادئًا بالأولين المكذبين المتسائلين عن النبأ العظيم: إن جهنم كانت مرصادًا ، للطاغين مآبًا ، لابثين فيهآ أحقابًا . لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا ، إلا حميمًا وغساقًا . جزآء وفاقًا . إنهم كانوا لا يرجون حسابًا ، وكذبوا بآياتنا كذابًا . وكل شيء أحصيناه كتابًا . فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا

إن جهنم خلقت ووجدت وكانت مرصادًا للطاغين تنتظرهم وتترقبهم وينتهون إليها فإذا هي معدة لهم ، مهيأة لاستقبالهم . وكأنما كانوا في رحلة في الأرض ثم آبوا إلى مأواهم الأصيل! وهم يردون هذا المآب للإقامة الطويلة المتجددة أحقابًا بعد أحقاب: { لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا } . . ثم يستثني . . فإذا الاستثناء أمرّ وأدهى: { إلا حميمًا وغساقًا } . . إلا الماء الساخن يشوي الحلوق والبطون . فهذا هو البرد! وإلا الغساق الذي يغسق من أجساد المحروقين ويسيل . فهذا هو الشراب!

{ جزاء وفاقًا } . . يوافق ما أسلفوا وما قدموا . . { إنهم كانوا لا يرجون حسابًا } . . ولا يتوقعون مآبًا . . { وكذبوا بآياتنا كذابًا } . . وجرس اللفظ فيه شدة توحي بشدة التكذيب وشدة الإصرار عليه .بينما كان الله يحصي عليهم كل شيء إحصاء دقيقًا لا يفلت منه حرف: وكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت