فهرس الكتاب
على أن الوازع للخير يظل دائما أقوى في المؤمنين على كل حال منه في غير المؤمنين على ما هو المشاهد المحسوس في كل وقت.
هذا ، وأسلوب السورة المطلق يسوغ وصفها بما وصفت به سورة الفاتحة والأعلى والليل والفجر ، واللّه أعلم. [1]
قوله تعالى: « وَالْعَصْرِ » . هو قسم بهذا الوقت من أوقات الزمن ، وهو الساعات الأخيرة من النهار ..
وقد أقسم اللّه سبحانه وتعالى بأجزاء من الزمن ، كالفجر ، والضحى ، والليل ، والنهار ..
وفى القسم « بالعصر » تنويه بشأن هذا الوقت من الزمن ، الذي تبدأ فيه الأحياء تجمع نفسها ، وتعود إلى مأواها بما حصّلت وجمعت في سعيها في الحياة ..
وإنه لجدير بالعاقل أن يحاسب نفسه على ما عمل في يومه هذا ، وما حصل فيه من خير ، وما اقترف فيه من إثم .. إنه وقت محاسبة ومراجعة لأعمال اليوم ، وتصحيح للأخطاء التي وقع فيها ، فلا يستأنفها في غده .. ولهذا كانت صلاة العصر هى الصلاة الوسطى ـ على ما جاءت به الأخبار الصحيحة ، وقرره معظم أهل العلم ـ تلك الصلاة التي نوه اللّه سبحانه وتعالى بها ، فقال تعالى: « حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى » (238: البقرة) .
وقوله تعالى: « إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ » .هو المقسم عليه ، وهو جواب القسم ..
والإنسان في خسر ، أي في ضلال ، لأنه لم يعرف قدره ، ولم يرتفع بإنسانيته إلى المقام الذي أهّله اللّه سبحانه وتعالى له .. فلقد خلق اللّه سبحانه الإنسان في أحسن تقويم ، ولكن الإنسان لم يلتفت إلى هذا الخلق ، ولم يقدره قدره ، ولم يأخذ الطريق الذي يدعو إليه العقل ، بل انقاد لشهواته ، واستخف بإنسانيته ، وتحول إلى عالم البهيمة ، يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام ..
ذلك هو شأن الإنسان في معظم أفراده وأحواله .. وقليل هم أولئك الذين عرفوا قدر إنسانيتهم ، وما أودع اللّه سبحانه وتعالى فيهم من قوى قادرة على أن ترتفع بهم إلى الملأ الأعلى ، لو أنهم أحسنوا استعمالها ، وهؤلاء هم الذين استثناهم اللّه سبحانه وتعالى بقوله:
« إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » . فهؤلاء هم الإنسان الكريم عند اللّه ، الذي يلقاه ربه بالرضا والرضوان ..إنهم هم الذين آمنوا باللّه ، وعرفوا ما للّه سبحانه وتعالى ، من كمال وجلال ..
(1) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (1 / 561)