فهرس الكتاب
فاستمسكوا بالحق ، وهو الإيمان ، وما يدعو إليه ، وما ينهى عنه .. ثم تواصوا به فيما بينهم ، فنصح بعضهم لبعض بالاستقامة عليه ، والتمسك به ، وفى هذا ما يقوّى من جبهة الحق ، ويكثّر من أتباعه.
وفى قوله تعالى: « وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » ـ إشارة إلى أن طريق الإيمان ، والاستقامة على شريعته ليس أمرا هينا ، فإن ذلك إنما يحتاج إلى معاناة وصبر على مغالبة الشهوات ، وقهر دواعى الأهواء ، ووساوس الشيطان .. فطريق الحق طريق محفوف بالمكاره ، والصبر هو زاد الذين يسلكون طريقه ، ويبلغون به غايات الفوز والفلاح .. [1]
في هذه السورة الصغيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الإسلام . وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة . إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار . وتصف الأمة المسلمة: حقيقتها ووظيفتها . في آية واحدة هي الآية الثالثة من السورة . . وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله . .
والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي هذه:
إنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار ، وامتداد الإنسان في جميع الأدهار ، ليس هنالك إلا منهج واحد رابح ، وطريق واحد ناج . هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده ، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه . وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار . .
{ والعصر ، إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } .إنه الإيمان . والعمل الصالح . والتواصي بالحق . والتواصي بالصبر . .
فما الإيمان؟؟
نحن لا نعرّف الإيمان هنا تعريفه الفقهي؛ ولكننا نتحدث عن طبيعته وقيمته في الحياة .
إنه اتصال هذا الكائن الإنساني الفاني الصغير المحدود بالأصل المطلق الأزلي الباقي الذي صدر عنه الوجود . ومن ثم اتصاله بالكون الصادر عن ذات المصدر ، وبالنواميس التي تحكم هذا الكون ، وبالقوى والطاقات المذخورة فيه . والانطلاق حينئذ من حدود ذاته الصغيرة إلى رحابة الكون الكبير . ومن حدود قوته الهزيلة إلى عظمة الطاقات الكونية المجهولة . ومن حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله .
وفضلًا عما يمنحه هذا الاتصال للكائن الإنساني من قوة وامتداد وانطلاق ، فإنه يمنحه إلى جانب هذا كله متاعًا بالوجود وما فيه من جمال ، ومن مخلوقات تتعاطف أرواحها مع روحه . فإذا الحياة رحلة في مهرجان إلهي مقام للبشر في كل مكان وفي كل أوان . . وهي سعادة
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1668)