فهرس الكتاب
في الآيات حملة شديدة قارعة على من يجعل ديدنه السخرية بالناس وإلصاق المعايب فيهم ، وبخاصة على صاحب المال الكثير من هؤلاء الذي غرّه ماله وجعله يحسب أنه واقيه من النكبات ومخلده في النعيم والقوة ، وتكذيب له وتوكيد بأن مصيره جهنّم الشديدة الحرارة التي تحرق كل شيء وتصل إلى القلوب والتي ستوصد أبوابها عليه ويحكم سدّها بالأعمدة ويكون له فيها العذاب الدائم.
وقد روي أن الآيات نزلت في حقّ شخص اختلف في اسمه بين الأخنس بن شريق وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة كان غنيا وجيها مغرورا ديدنه السخرية بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واتهامه بالمعايب. والرواية متسقة مع الآيات كما هو واضح ، والآيات بذلك تحتوي صورة من صور مواقف الكفار وبخاصة أغنياءهم وزعماءهم من النبي عليه السلام ودعوته ، وصرخة داوية رادعة في وجوههم بالتقريع والإنذار.
ومع هذا فأسلوب الآيات التعميمي المطلق يتضمن تلقينا مستمر المدى ضدّ هذا النوع من الناس والتنديد به والتنبيه إلى ما في أخلاقه من سوء ووجوب اجتنابها. [1]
قوله تعالى: « وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ » . « الهمزة » هو الذي يهمز الناس ، أي يؤذبهم بقوارص الكلم جهرة ، فيخدش حياءهم ، ويمتهن كرامتهم ، ليزداد هو علوّا وتطاولا على الناس ، ولتخفّ موازينهم إزاء ميزانه ، فلا يرتفع أمامه رأس ، ولا يشمخ أنف.
و « اللمزة » هو الذي ينقص من أقدار ذوى الأقدار ، في غير مواجهتهم ، إذ كان لا يستطيع أن يلقاهم وجها لوجه. فيشيع الفاحشة فيهم ، ويذيع قالة السوء عنهم.
فالهمز واللّمز غايتهما واحدة ، وهى الحطّ من أقدار الناس ، ومحاولة إنزالهم منازل الدّون في الحياة .. وإن كان الهمز بأسلوب العلانية ، واللمز بأسلوب السرّ والخفاء .. ومن كان من شأنه الهمز كان من شأنه اللمز كذلك ، والعكس صحيح .. إذ هما ينبعان من طبيعة واحدة.
وقوله تعالى: « الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ » هو من أوصاف هذا الهمزة اللّمزة ، الذي توعّده اللّه سبحانه وتعالى بالويل والعذاب ..
فأكثر الناس همزا ولمزا للناس ، هو الذي يحرص على جمع المال ، ويجعل هذا الجمع كلّ همّه في الدنيا ..
وإنه لكى ينفسح له طريق الجمع ، ويخلو له ميدان الكسب ، يحارب الناس بكل سلاح ، فلا يدع في الميدان الذي يعمل فيه إنسانا إلا طعنه الطعنات القاتلة متى أمكنته الفرصة فيه .. بالهمز حينا ، وباللمز أحيانا.
(1) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (2 / 206)