فهرس الكتاب
و هي أيضا كائنة في أعمدة ممددة طويلة موثّقة. قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ، ثم شدّت بأوتاد من حديد ، فلا يفتح عليهم باب ، ولا يدخل عليهم روح.
والآية تفيد المبالغة في العذاب بقوله: لَيُنْبَذَنَّ أي أنه موضع له قعر عميق جدا كالبئر ، وأن أبوابها لا تفتح ليزيد في حسرتهم ، وتغلق إغلاقا محكما للتيئيس من الخروج منها ، وممددة في أعمدة دائمة اللهب ، فلا أمل في إطفائها أو تخفيف شدة حرارتها.
ومضات:
قال الإمام: أي: أن الذي يحمله على الحط من أقدار الناس ، هو جمعه المال وتعديده . أي: عده مرة بعد أخرى ، شغفًا به وتلذذًا بإحصائه ؛ لأنه لا يرى عزًا ولا شرفًا ولا مجدًا في سواه ، فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه ، انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة ، بحيث يكون كل ذي فضل ومزيه دونه ، فهو يهزأ به ويهمزه ويلمزه ، ثم لا يخشى أن تصيبه عقوبة على الهمز واللمز وتمزيق العرض ؛ لأن غروره بالمال أنساه الموت وصرف عنه ذكر المآل فهو { يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } أي: يظن أن ماله الذي جمعه وأحصاه وبخل بإنفاقه ، مخلدهُ في الدنيا ، فمزيل عنه الموت .
قال القاشاني في بيان آفات رذيلتي الهمز واللمز اللتين نزلت في وعيدهما السورة ، ما مثاله: الهمز أي: الكسر من أعراض الناس واللمز ، أي: الطعن فيهم ، رذيلتان مركبتان من الجهل والغضب والكبر ؛ لأنهما يتضمنان الإيذاء وطلب الترفع على الناس ، وصاحبهما يريد أن يتفضل على الناس ، ولا يجد في نفسه فضيلة يترفع بها . فينسب العيب والرذيلة إليهم ليظهر فضله عليهم ، ولا يشعر أن ذلك عين الرذيلة ، فهو مخدوع من نفسه وشيطانه موصوف برذيلتي القوة النطقية والغضبية .
ثم قال: وفي قوله: { وَعَدَّدَهُ } إشارة أيضًا إلى الجهل ؛ لأن الذي جعل المال عدة للنوائب لا يعلم أن نفس ذلك المال يجر إليه النوائب ؛ لاقتضاء حكمة الله تفريقه في النائبات ، فكيف يدفعها ؟ وكذا في قوله: { يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } أي: لا يشعر أن المقتضيات المخلدة لصاحبها هي العلوم والفضائل النفسانية الباقية ، لا العروض والذخائر الجسمانية الفانية ولكنهُ مخدوع بطول الأمل ، مغرور بشيطان الوهم عن بغتة الأجل . والحاصل أن الجهل الذي هو رذيلة القوة الملكية ، أصل جميع الرذائل ، ومستلزم لها . فلا جرم أنه يستحق صاحبه المغمور فيها العذاب الأبديّ المستولي على القلب المبطل لجوهره . [1]
(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 311)