فهرس الكتاب
بين الطائع والعاصي ، إنها مطبقة عليهم فلا يخرجون منها أبدا ، وأبوابها المغلقة شدت بأوتاد طويلة لا تفتح أبدا. [1]
التفسير والبيان:
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ أي خزي وعذاب شديد لكل من يغتاب الناس ويطعن بهم أو يعيبهم في حضورهم ، قال مقاتل: إن الهمزة: الذي يغتاب بالغيبة ، واللمزة: الذي يغتاب في الوجه. وقال ابن عباس: هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ طعان معياب.
ثم ذكر أوصافا أخرى له: الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ أي أن ذلك الهمزة اللمزة الذي يزدري الناس ويحتقرهم ويترفع عليهم بسبب إعجابه بما جمع من المال وأحصاه ، وظن أن له به الفضل على غيره ، كقوله تعالى: جَمَعَ فَأَوْعى [المعارج 70/ 18] .
يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ أي يظن أن ماله يضمن له الخلود ويتركه حيّا مخلدا لا يموت لشدة إعجابه بما يجمعه من المال ، فلا يعود يفكر بما بعد الموت.
ثم ردّ اللَّه عليه أوهامه وزجره على مزاعمه ، فقال: كَلَّا ، لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ أي زجرا له وردعا ، فليس الأمر كما زعم ولا كما حسب ، بل ليلقين ويطرحن هذا الذي جمع ماله هو وماله في النار التي تحطم أو تهشم كل ما يلقى فيها.
ثم هوّل عليه شأن النار وعرفها له ، فقال: وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ، نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ أي وما أعلمك ما هذه النار ، وأي شيء هي ؟ فكأنها لا تدركها العقول ، هي نار اللَّه الموقدة المستقرة بأمر اللَّه سبحانه ، التي لا تخمد أبدا.
وفائدة وصف جهنم بالحطمة مناسبتها لحال المتكبر المتجبر بماله ، المترفع على غيره ، فهي تكسر كسرا كل ما يلقى فيها ، لا تبقي ولا تذر.
وإضافة نارُ اللَّهِ للتفخيم ، أي هي نار ، لا كسائر النيران.
ثم وصف النار بأوصاف ثلاثة هي: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ، إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ أي التي تعلو القلوب وتغشاها بحرها الشديد ، وتحرقهم وهم أحياء. والقلوب أشد أجزاء البدن تألما ، وخصت بالذكر لأنها محل العقائد الزائغة ، والنيات الخبيثة ، وسوء الأخلاق من الكبر واحتقار الناس ، والأعمال القبيحة.
وهي عليهم مطبقة ، مغلقة عليهم أبوابها جميعا ، فلا منافذ ، ولا يستطيعون الخروج منها ، كما قال تعالى: عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ [البلد 90/ 20] ، وقال سبحانه: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ ، أُعِيدُوا فِيها .. [الحج 22/ 22] .
(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 902)