وَمِنَ الظَّنِّ الْمَحْظُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ سُوءُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ ظَاهِرُهُمُ الْعَدَالَةُ،كما في حديث صفية الآنف الذكر .
ثُمَّ إِنَّ كُل ظَنٍّ فِيمَا لَهُ سَبِيلٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ مِمَّا تُعُبِّدَ بِعِلْمِهِ فَهُوَ مَحْظُورٌ؛لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَعَبَّدًا بِعِلْمِهِ،وَنُصِبَ لَهُ الدَّلِيل عَلَيْهِ،فَلَمْ يَتْبَعِ الدَّلِيل وَحَصَل عَلَى الظَّنِّ كَانَ تَارِكًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ .
وَأَمَّا مَا لَمْ يَنْصِبْ لَهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يُوصِلُهُ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ،وَقَدْ تُعُبِّدَ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ فِيهِ،فَالاِقْتِصَارُ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ وَإِجْرَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ،وَذَلِكَ نَحْوُ مَا تُعُبِّدْنَا بِهِ مِنْ قَبُول شَهَادَةِ الْعُدُول،وَتَحَرِّي الْقِبْلَةِ،وَتَقْوِيمِ الْمُسْتَهْلَكَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِمَقَادِيرِهَا تَوْقِيفٌ،فَهَذِهِ وَمَا كَانَ مِنْ نَظَائِرِهَا قَدْ تُعُبِّدْنَا فِيهَا بِتَنْفِيذِ أَحْكَامِ غَالِبِ الظَّنِّ .
وَأَمَّا الظَّنُّ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ فَهُوَ:حُسْنُ الظَّنِّ بِالأَْخِ الْمُسْلِمِ،وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ مُثَابٌ عَلَيْهِ،وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الضَّرْبُ مِنَ الظَّنِّ مَنْدُوبًا وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَمَا كَانَ سُوءُ الظَّنِّ مَحْظُورًا لِوُجُودِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا،وَهِيَ احْتِمَالٌ أَنْ لاَ يَظُنَّ بِهِ شَيْئًا فَكَانَ مَنْدُوبًا .
وَأَمَّا الظَّنُّ الْمُبَاحُ،فَمِنْهُ:ظَنُّ الشَّاكِّ فِي الصَّلاَةِ،فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّحَرِّي وَالْعَمَل عَلَى مَا يَغْلِبُ فِي ظَنِّهِ،فَإِنْ عَمِل بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ ظَنُّهُ كَانَ مُبَاحًا،وَإِنْ عَدَل عَنْهُ إِلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ كَانَ جَائِزًا [1] ،وَذَكَرَ الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ:أَنَّ الظَّنَّ يَنْقَسِمُ فِي الشَّرْعِ إِلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَحَرَامٍ وَمُبَاحٍ،فَالْوَاجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى،وَالْحَرَامُ سُوءُ الظَّنِّ بِهِ تَعَالَى،وَبِكُلٍّ مَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ،وَالْمُبَاحُ الظَّنُّ بِمَنِ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِمُخَالَطَةِ الرِّيَبِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِالْخَبَائِثِ فَلاَ يَحْرُمُ ظَنُّ السُّوءِ بِهِ؛لأَِنَّهُ قَدْ دَل عَلَى نَفْسِهِ،كَمَا أَنَّ مَنْ سَتَرَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَظُنَّ النَّاسُ بِهِ إِلاَّ خَيْرًا،وَمَنْ دَخَل مَدْخَل السُّوءِ اتُّهِمَ،وَمَنْ هَتَكَ نَفْسَهُ ظَنَنَّا بِهِ السُّوءَ،مِنَ الظَّنِّ الْجَائِزِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَظُنُّ الشَّاهِدَانِ فِي التَّقْوِيمِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ،وَمَا يَحْصُل بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الأَْحْكَامِ بِالإِْجْمَاعِ [2] .
(1) - أحكام القرآن للجصاص 3 / 499 - 500 .
(2) - نهاية المحتاج للرملي 2 / 429 ط . المكتبة الإسلامية ، حاشية الرملي على أسنى المطالب 1 / 296 ط . المكتبة الإسلامية ، حاشية القليوبي 1 / 321 ط . الحلبي .