وَأَخَذُوا الدُّنْيَا مِنْ وَجْهِهَا فَهُنَاكَ فَاحْذَرِ الْعِزَّ بِهِمْ،لِتَكُونَ بَعِيدًا مِنْهُمْ قَرِيبًا بِالرَّحْمَةِ لَهُمْ وَالنَّصِيحَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ،وَأَمَّا نَصِيحَةُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ نَصِيحَتَهُمْ عَلَى أَخْلَاقِهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ،وَانْظُرْ إِلَى تَدْبِيرِ اللهِ فِيهِمْ بِقَلِيلٍ،فَإِنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ أَخْلَاقَهُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ،وَلَوْ شَاءَ لَجَمَعَهُمْ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ،فَلَا يُغْفَلْ عَنِ النَّظَرِ إِلَى تَدْبِيرِ اللهِ فِيهِمْ،فَإِذَا رَأَيْتَ مَعْصِيَةَ اللهِ احْمَدِ اللهَ إِذْ صَرَفَهَا عَنْكَ فِي وَقْتِكَ،وَتَلَطَّفْ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي رِفْقٍ وَصَبْرٍ وَسَكِينَةٍ،فَإِنْ قُبِلَ مِنْكَ فَاحْمَدِ اللهَ،وَإِنْ رُدَّ عَلَيْكَ فَاسْتَغْفَرِ اللهَ لِتَقْصِيرٍ مِنْكَ كَانَ فِي أَمْرِكَ وَنَهْيِكَ،وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ،إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" [1] "
وقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ:النُّصْحُ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدِي هُوَ:فِعْلُ الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ الصَّلَاحُ وَالْمُلَاءَمَةُ،مَأْخُوذٌ مِنَ النَّصَاحَةِ،وَهِيَ السُّلُوكُ الَّتِي يُخَاطُ بِهَا،وَتَصْغِيرُهَا نُصَيْحَةٌ،يَقُولُ الْعَرَبُ:هَذَا قَمِيصٌ مَنْصُوحٌ أَيْ:مَخِيطٌ،وَنَصَحْتُهُ أَنْصَحُهُ نُصْحًا إِذَا خِطْتُهُ،وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ النُّصْحُ فِي الْأَشْيَاءِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْأَشْيَاءِ:فَالنُّصْحُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ:وَصْفُهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ،وَتَنْزِيهُهُ عَمَّا هُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهُ عَقْدًا وَقَوْلًا،وَالْقِيَامُ بِتَعْظِيمِهِ،وَالْخُضُوعُ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا،وَالرَّغْبَةُ فِي مَحَابِّهِ،وَالْبُعْدُ مِنْ مَسَاخِطِهِ،وَمُوَالَاةُ مَنْ أَطَاعَهُ،وَمُعَادَاةُ مَنْ عَصَاهُ،وَالْجِهَادُ فِي رَدِّ الْعَاصِينَ إِلَى طَاعَتِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا.وَإِرَادَةُ النَّصِيحَةِ لِكِتَابِهِ:إِقَامَتُهُ فِي التِّلَاوَةِ،وَتَحْسِينُهُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ،وَتَفَهُّمُ مَا فِيهِ وَاسْتِعْمَالُهُ،وَالذَّبُّ عَنْهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحَرِّفِينَ،وَطَعْنِ الطَّاعِنِينَ.وَالنَّصِيحَةُ لِلرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -: مُؤَازَرَتُهُ وَنُصْرَتُهُ،وَالْحِمَايَةُ مِنْ ذَوِيهِ حَيًّا وَمَيِّتًا،وَإِحْيَاءُ سُنَّتِهِ بِالطَّلَبِ،وَإِحْيَاءُ طَرِيقَتِهِ فِي بَثِّ الدَّعْوَةِ،وَتَأْلِيفِ الْكَلِمَةِ،وَالتَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِهِ الظَّاهِرَةِ.وَالنَّصِيحَةُ لِلْأَئِمَّةِ:مُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى مَا تَكَلَّفُوا الْقِيَامَ بِهِ،وَفِي بَعْضُ النُّسَخِ"عَلَى مَا تَكَلَّفُوا الْقِيَامَ بِهِ"فِي تَنْبِيهِهِمْ عِنْدَ الْغَفْلَةِ،وَتَقْوِيمِهِمْ عِنْدَ الْهَفْوَةِ،وَسَدِّ خَلَّتِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ،وَنُصْرَتِهِمْ فِي جَمِيعِ الْكَلِمَةِ عَلَيْهِمْ،وَرَدِّ الْقُلُوبِ النَّاضِرَةِ إِلَيْهِمْ.وَالنَّصِيحَةُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ:الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ،وَتَوْقِيرُ كَبِيرِهِمْ،وَرَحْمَةُ صَغِيرِهِمْ،وَتَفْرِيجُ كُرَبِهِمْ،وَالسَّعْيُ فِيمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْآجِلِ،وَدَعْوَتُهُمْ إِلَى مَا
(1) - شعب الإيمان - (9 / 498)