وَهَذَا الأَْخِيرُ هُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ إِنْ كَانَ فِي شَأْنٍ دُنْيَوِيٍّ،وَالْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ فِي شَأْنٍ دِينِيٍّ،وَالثَّالِثَةُ فِيهَا مَذْمُومٌ وَغَيْرُ مَذْمُومٍ،وَالثَّانِيَةُ أَخَفُّ مِنَ الثَّالِثَةِ،وَالأُْولَى مَذْمُومَةٌ مَحْضَةٌ . وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ الرُّتْبَةِ الأَْخِيرَةِ حَسَدًا فِيهِ تَجَوُّزٌ وَتَوَسُّعٌ،وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (32) سورة النساء، فَتَمَنِّيهِ لِمِثْل ذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ،وَأَمَّا تَمَنِّيهِ عَيْنَ ذَلِكَ فَهُوَ مَذْمُومٌ [1] .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
الْحَسَدُ إِنْ كَانَ حَقِيقِيًّا،أَيْ بِمَعْنَى تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَةِ عَنِ الْغَيْرِ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِِجْمَاعِ الأُْمَّةِ،لأَِنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْحَقِّ،وَمُعَانَدَةٌ لَهُ،وَمُحَاوَلَةٌ لِنَقْضِ مَا فَعَلَهُ،وَإِِزَالَةُ فَضْل اللَّهِ عَمَّنْ أَهَّلَهُ لَهُ،وَالأَْصْل فِي تَحْرِيمِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَعْقُول .
أَمَّا الْكِتَابُ:فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (5) سورة الفلق، فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ الْحَاسِدِ،وَشَرُّهُ كَثِيرٌ،فَمِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ وَهُوَ إِصَابَةُ الْعَيْنِ،وَمِنْهُ مَا هُوَ مُكْتَسَبٌ كَسَعْيِهِ فِي تَعْطِيل الْخَيْرِ عَنْهُ وَتَنْقِيصِهِ عِنْدَ النَّاسِ،وَرُبَّمَا دَعَا عَلَيْهِ أَوْ بَطَشَ بِهِ إِِلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْحَاسِدِ الَّذِي وَرَدَ الأَْمْرُ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِ:فَقَال قَتَادَةَ:الْمُرَادُ شَرُّ عَيْنِهِ وَنَفْسِهِ . وَقَال آخَرُونَ:بَل أُمِرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِهَذِهِ الآْيَةِ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ شَرِّ الْيَهُودِ الَّذِينَ حَسَدُوهُ،وَالأَْوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَال الطَّبَرِيُّ:إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُمِرَ بِأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ شَرِّ كُل حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ . وَإِِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ،لأَِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل لَمْ يَخْصُصْ مِنْ قَوْلِهِ: { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } حَاسِدًا دُونَ حَاسِدٍ بَل عَمَّ أَمْرُهُ إِيَّاهُ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ كُل حَاسِدٍ فَذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ [2] .
وَالْحَاسِدُ كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ عَدُوُّ نِعْمَةِ اللَّهِ .
(1) - إحياء علوم الدين 3 / 188 ط الحلبي .
(2) - تفسير الطبري 30 / 228 ط الثانية - الأميرية وأحكام القرآن للجصاص 3 / 588 ط البهية .