يَقَعُ الْغِشُّ فِي الْمُعَامَلاَتِ كَثِيرًا بِصُورَةِ التَّدْلِيسِ الْقَوْلِيِّ،كَالْكَذِبِ فِي سِعْرِ الْمَبِيعِ،أَوِ الْفِعْلِيِّ كَكِتْمَانِ عُيُوبِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ،أَوْ بِصُورَةِ التَّصْرِيَةِ كَأَنْ يَتْرُكَ الْبَائِعُ حَلْبَ النَّاقَةِ أَوْ غَيْرِهَا مُدَّةً قَبْل بَيْعِهَا لِيُوهِمَ الْمُشْتَرِيَ كَثْرَةَ اللَّبَنِ،وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ يُخْدَعُ الْمُشْتَرِي،فَيُبْرِمُ الْعَقْدَ وَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ بِذَلِكَ إِذَا عَلِمَ الْحَقِيقَةَ .
وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ التَّدْلِيسَ عَيْبٌ،فَإِذَا اخْتَلَفَ الثَّمَنُ لأَِجْلِهِ فِي الْمُعَامَلاَتِ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ،بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَعْلَمَ الْمُدَلَّسُ عَلَيْهِ الْعَيْبَ قَبْل الْعَقْدِ أَوْ عِنْدَهُ،وَأَنْ لاَ يَكُونَ الْعَيْبُ ظَاهِرًا [1]
وَفِي الْغِشِّ بِصُورَةِ التَّصْرِيَةِ:ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ تَصْرِيَةَ الْحَيَوَانِ عَيْبٌ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ،فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ،بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا،وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ.. [2]
وَلاَ يَعْتَبِرُ أَبُو حَنِيفَةَ التَّصْرِيَةَ عَيْبًا مُثْبِتًا لِلْخِيَارِ بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُصَرَّاةً فَوَجَدَهَا أَقَل لَبَنًا مِنْ أَمْثَالِهَا لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهَا،وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِأَرْشِهَا [3] .
ثَانِيًا - الْغِشُّ الْمُسَبِّبُ لِلْغَبْنِ:
الْغِشُّ يُؤَثِّرُ كَثِيرًا فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ بِصُورَةِ الْغَبْنِ،فَيَحْصُل النَّقْصُ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ أَوْ بَدَل الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ .
وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ - وَهُوَ مَا يُحْتَمَل غَالِبًا،أَوْ يَدْخُل تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ - لاَ يَثْبُتُ خِيَارًا لِلْمَغْبُونِ [4] . أَمَّا الْغَبْنُ الْفَاحِشُ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِهِ عَلَى الْعَقْدِ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمَغْبُونِ [5] .
(1) - رد المحتار 4 / 71 ، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير 3 / 328 ، وروضة الطالبين 3 / 469 ، والمغني لابن قدامة 4 / 157 .
(2) - صحيح مسلم- المكنز - (3890 ) وصحيح ابن حبان - (11 / 343) (4970)
تصر: تجمع اللبن في ضرعها عند إرادة البيع فتبدو أنها كثيرة اللبن
(3) - رد المحتار 4 / 96 ، الزرقاني 5 / 134 ، وأسنى المطالب 2 / 161 ، والمغني لابن قدامة 4 / 149 .
(4) - تبيين الحقائق 4 / 272 ، وانظر في ضابط الغبن اليسير والفاحش البدائع 6 / 30 ، ومواهب الجليل 4 / 472 ، ومغني المحتاج 2 / 224 ، والمغني لابن قدامة 3 / 584 .
(5) - الدر المختار بهامش رد المحتار 4 / 159 ، ومواهب الجليل 4 / 470 ، وروضة الطالبين 3 / 470 ، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 140 .