لاَ يَحِل لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ أَخْذُهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا زَكَاةٌ،إِجْمَاعًا . فَإِنْ أَخَذَهَا فَلَمْ تُسْتَرَدَّ مِنْهُ فَلاَ تَطِيبُ لَهُ،بَل يَرُدُّهَا أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا ؛ لأَِنَّهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ،وَعَلَى دَافِعِ الزَّكَاةِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعَرُّفِ مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ،فَإِنْ دَفَعَهَا بِغَيْرِ اجْتِهَادِهِ،أَوْ كَانَ اجْتِهَادُهُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَأَعْطَاهُ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ،إِنْ تَبَيَّنَ الآْخِذُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا،وَالْمُرَادُ بِالاِجْتِهَادِ النَّظَرُ فِي أَمَارَاتِ الاِسْتِحْقَاقِ،فَلَوْ شَكَّ فِي كَوْنِ الآْخِذِ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ كَذَلِكَ [1] .
أَمَّا إِنِ اجْتَهَدَ فَدَفَعَ لِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِهَا،فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ،فَقَال بَعْضُهُمْ:تُجْزِئُهُ،وَقَال آخَرُونَ:لاَ تُجْزِئُهُ،عَلَى تَفْصِيلٍ يَخْتَلِفُ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ .
فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ:إِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ فَقِيرًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ أَوْ كَافِرٌ،أَوْ دَفَعَ فِي ظُلْمَةٍ،فَبَانَ أَنَّ الآْخِذَ أَبُوهُ،أَوِ ابْنُهُ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ،لِحَدِيثِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَال:كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ،فَجِئْتُ فَأَخَذْتهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا،فَقَال:وَاَللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ،فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَال:لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ ،وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ . [2]
وَلأَِنَّا لَوْ أَمَرْنَاهُ بِالإِْعَادَةِ أَفْضَى إِلَى الْحَرَجِ ؛ لأَِنَّهُ رُبَّمَا تَكَرَّرَ خَطَؤُهُ،وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا أَنْ يَتَبَيَّنَ الآْخِذُ غَيْرَ أَهْلٍ لِلتَّمْلِيكِ أَصْلًا،نَحْوُ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الآْخِذَ عَبْدُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ،فَلاَ تُجْزِئُ فِي هَذَا الْحَال .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ:لاَ تُجْزِئُهُ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الآْخِذَ لَيْسَ مِنَ الْمَصَارِفِ،لِظُهُورِ خَطَئِهِ بِيَقِينٍ مَعَ إِمْكَانِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ،كَمَا لَوْ تَحَرَّى فِي ثِيَابٍ فَبَانَ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ [3] .
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ حَالَيْنِ:
الأُْولَى:أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ الإِْمَامَ أَوْ مُقَدَّمَ الْقَاضِي أَوِ الْوَصِيَّ،فَيَجِبُ اسْتِرْدَادُهَا،لَكِنْ إِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا،أَجْزَأَتْ،لأَِنَّ اجْتِهَادَ الإِْمَامِ حُكْمٌ لاَ يَتَعَقَّبُ .
(1) - ابن عابدين 2 / 68 ، والهداية وفتح القدير 2 / 26 .
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (1422)
(3) - الهداية وفتح القدير 2 / 26 .