إِذَا تَرَكَ مُخَالَطَتَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُدَارِيَهُ.وَالْمُدَارَاةُ هِيَ أَنْ يُظْهِرَ خِلاَفَ مَا يُضْمِرُ لاِكْتِفَاءِ الشَّرِّ وَحِفْظِ الْوَقْتِ،بِخِلاَفِ الْمُدَاهَنَةِ الَّتِي مَعَهَا إِظْهَارُ ذَلِكَ لِطَلَبِ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ مِنَ الدُّنْيَا .
وَالثَّانِي:أَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى مَوْعِظَتِهِ،لِشِدَّةِ تَجَبُّرِهِ،أَوْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا لَكِنَّهُ لاَ يَقْبَلُهَا؛لِعَدَمِ عَقْلٍ وَنَحْوِهِ .
أَمَّا لَوْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ زَجْرِهِ عَنْ مُخَالَطَةِ الْكَبَائِرِ بِعُقُوبَتِهِ بِيَدِهِ - إِنْ كَانَ حَاكِمًا أَوْ فِي وِلاَيَتِهِ أَوْ بِرَفْعِهِ لِلْحَاكِمِ - أَوْ بِمُجَرَّدِ وَعْظِهِ ،لَوَجَبَ عَلَيْهِ زَجْرُهُ وَإِبْعَادُهُ عَنْ فِعْل الْكَبَائِرِ،وَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ بِهَجْرِهِ.وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ [1] .
وَالسَّابِعُ:أَنَّ هِجْرَانَ أَهْل الْبِدَعِ كَافِرِهِمْ وَفَاسِقِهِمْ وَالْمُتَظَاهِرِينَ بِالْمَعَاصِي وَتَرْكِ السَّلاَمِ عَلَيْهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ،وَمَكْرُوهٌ لِسَائِرِ النَّاسِ.وَهُوَ قَوْل ابْنِ تَمِيمٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ [2] .
وَالثَّامِنُ:أَنَّ الرَّجُل إِذَا أَظْهَرَ الْمُنْكَرَاتِ وَجَبَ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ عَلاَنِيَةً،وَلَمْ يَبْقَ لَهُ غِيبَةٌ،وَوَجَبَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلاَنِيَةً بِمَا يَرْدَعُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ هَجْرٍ وَغَيْرِهِ،فَلاَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَلاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِذَا كَانَ الْفَاعِل لِذَلِكَ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ،فَإِنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ أَظْهَرَ لَهُ الْخَيْرَ.وَهُوَ قَوْل تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ [3]
وَقَال:الْهَجْرُ الشَّرْعِيُّ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا:بِمَعْنَى التَّرْكِ لِلْمُنْكَرَاتِ.وَالثَّانِي:بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا.وَهُوَ الْهَجْرُ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ،وَهُوَ هَجْرُ مَنْ يُظْهِرُ الْمُنْكَرَاتِ،يُهْجَرُ حَتَّى يَتُوبَ مِنْهَا،كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُسْلِمُونَ الثَّلاَثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى أَنْزَل اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ،حِينَ ظَهَرَ مِنْهُمْ تَرْكُ الْجِهَادِ الْمُتَعَيَّنِ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ عُذْرٍ،وَلَمْ يَهْجُرْ مَنْ أَظْهَرَ الْخَيْرَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا،فَهُنَا الْهَجْرُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْزِيرِ [4] .
(1) - كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 395 ، 396 .
(2) - الآْدَاب الشَّرْعِيَّة 1 / 229 ، 237 ، وَغِذَاء الأَْلْبَاب 1 / 259 ، 269 .
(3) - الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لاِبْن تَيْمِيَّةَ ( ط دَار الرَّيَّان بِالْقَاهِرَةِ ) 3 / 435 ، وَمَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ 28 / 217 ، 218 .
(4) - مَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ 28 / 203 .