و من ذلك .. حكومة الإمارة الإسلامية في أفغانستان, حيث كانت القدرة السياسية لتلك الهيئات عاجزة عن أن تصل لما تريد, لأن الإمارة لم تكن تعترف بمواثيقهم ..
بينما وصلوا لما يريدون مع نظام القذافي و استطاعوا إذلاله و إخضاعه لهم.
و هاهي حماس التي تسعى للاعتراف الدولي تقدم ما بين يديها و ما خلفها لتحصل على اعترافهم فقط!
و قد رأينا حركة فتح كيف وصلت للعمالة بعد أن حازت على الاعتراف الدولي بشكل كبير, بعد أن كان أعضاء هذه الحركة من أهم المطلوبين في العالم, حيث ارتبطوا بحوادث خطف الطائرات المتعددة, التي هزت العالم و لفتت الأنظار إليهم, فكانت عمالتهم الكاملة و الخالصة هي نتيجة ما تسعى إليه حماس ألا و هو الاعتراف الدولي.
و على كل حال .. فالطوام الشرعية و السياسية الحاصلة من الدخول في النظام الدولي, أكثر من أن تحصر و أشهر من أن تذكر, و ما يزعمه البعض من كون عدم الدخول في ذلك النظام الدولي هو أشبه بحكم الإعدام على تلك الدولة, هو مجرد أراجيف و مخاوف تتبدد مع إيمان الموحدين بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) .
إن النظام الدولي هش للغاية, و إمكانية كسره و خلخلته ليست بالأمر الصعب, لأن المعادلة في هذا النظام تكمن في إيجاد قوة مرهبة, و على أساسها و حجمها تحدث العلاقات الدولية مع الآخرين, و بالتالي إحداث هزة في هذا النظام الذي يحاول عزل كل من هو خارج عنه و لم يرتض مواثيقه.
و بهذا يمكن إعادة تشكيل هذا النظام الدولي تدريجيًا - حسب قدرة الدولة على تغيير موازين القوى - وفق الشريعة الإسلامية كما فعل النبي - صلى الله عليه و سلم - و الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من ملوك الإسلام.
و هذا كله لا يمكن أن ينفذه من هو داخل في هذا النظام، و عراق صدام و غيره من الدول شاهد عيان على هذا.
و هذا يعود لسبب بسيط يمكن إجماله في أن النشأة البرية الوحشية قادرة على الصمود و الثبات والبقاء أكثر ممن نشأ نشأة مدنية حضرية.
قال العلامة ابن خلدون - رحمه الله: الأمم الوحشية أقدر على التغلب ممن سواها: اعلم أنه لما كانت البداوة سببا في الشجاعة كما قلناه في المقدمة الثالثة لا جرم كان هذا الجيل الوحشي أشد شجاعة من الجبل الآخر فهم أقدر على التغلب وانتزاع ما في أيدي سواهم من الأمم ... واعتبر ذلك في الحيوانات العجم بدواجن الظباء والبقر الوحشية والحمر إذا زال توحشها بمخالطة الآدميين وأخصب عيشها كيف يختلف حالها في الانتهاض والشدة حتى في مشيتها وحسن أديمها. ا. هـ [1]
ثم قال: انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة: اعلم أن هذه الأطوار طبيعية للدول فإن الغلب الذي يكون به الملك إنما هو بالعصبية وبما يتبعها من شدة البأس وتعود الافتراس
(1) مقدمة ابن خلدون 1/ 138.