أما الزعم بأن الوحدة حاليًا - بغير هذا الشرط المشترط - بالإضافة إلى أنه لن يحقق الوحدة الكاملة فإنه يبقي الجماعة وفق سياستهم الشرعية التي يرتضونها , فهو دليل ظاهر على أن هذه الجماعة لا توافق على السياسة الشرعية لبقية الجماعات لأنه لو كان كذلك لحصلت الوحدة مع إحداها, حسب زعم الأمير الذي تمنَّع عن الوحدة بهذه السياسة الشرعية!
و هذا خطير بالفعل أن تُجعل الأمور الاجتهادية مانعًا من الوحدة و لا يتنازل عنها إلا عند الوحدة الكاملة, بحيث يجعل الأصل في الوحدة, الموافقة في جميع الأمور الاجتهادية,
و لا يستثنى من هذا الأصل - عندهم - إلا عند الوحدة الكاملة فيغتفر الخلاف في الأمور الاجتهادية لوجود مصلحة أرجح و هي الوحدة الكاملة, و هذا لا شك تفريق و تمييز بلا دليل و لا برهان, بل هو أقرب إلى وضع العقبات أمام هذه الوحدة كي لا تتم إلا بهذه الشروط الصعبة التي لا دليل عليها بهذا الشكل و بهذا التفصيل! [1]
و القاعدة الأصولية تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب باتفاق أهل الملة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:
ما لا يتم الواجب إلا به كقطع المسافة في الجمعة والحج ونحو ذلك فعلى المكلف فعله باتفاق المسلمين ا. هـ [2]
فكيف بقطع المسافة للوحدة بين أهل الإسلام و لو لم يقطعها بقية الإخوة, فإنه لا يقال: علينا انتظار الآخرين للسير مرة واحدة لتأدية واجب الوحدة؟؟
فإذا كانت الوحدة واجبة فإن السير إليها و لو لم يفعل البقية هو واجب بغض النظر عن فعل الآخرين من عدمه, إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها و كل نفس بما كسبت - هي رهينة - لا ما كسب الآخرون!
و لا شك - شرعًا و عقلًا - أن الوحدة الجزئية من قبل بعض الجماعات هي طريق و سبيل للوحدة الكاملة المرجوة, لأنه لا يمكن أن تتحقق الوحدة الكاملة بضربة واحدة أو بلمسة سحرية - كما يقال - بل شيئًا فشيئًا كما حدث لكل الجماعات العاملة على الساحة اليوم, و التي لم تصل لهذا الحجم المتوحد إلا بالوحدة الجزئية المتراكمة و عدم تقديم مثل هذه الاعتذارات المستحيلة, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
و لو مثّل مُمَثِّل على هذا الشرط للوحدة بأنه شبيه بمن اشترط لوحدته مع الآخرين ألا يتحد معهم لما كان بعيدًا, و يكفي لبطلانه أن يقال: لو اشترط كل فرد أو جماعة مثل هذا الشرط لما حصلت الوحدة بتاتًا, و هذا دليل على صحة التشبيه السابق و دليل واضح على بطلان هذا الشرط و خطأ علته المعلل بها بكل وضوح.
(1) إلا إن كانت الجماعة تزعم أن الخلاف ليس في أمور اجتهادية أو فردية , بل في أمور تخالف أصول الشريعة و قواعدها , و تقصد بهذا خلافها مع الجماعات الجهادية و ليس مع فصائل المقاومة , فإن الأمر يختلف و يحتاج إلى نظر في منهج هؤلاء الزاعمين و النظر في مذهبهم و عقيدتهم أصلًا.
(2) مجموع الفتاوى 20/ 160 , انظر المستصفى 1/ 57 , و القواعد و الفوائد الأصولية 1/ 94 , و قواطع الأدلة 1/ 104.