و الفقهاء - رحمهم الله - لم يكن عندهم في ذلك الوقت ما يسمى بالمواثيق الأممية و أحوال السياسة الدولية ذات المكر الكبار الذي يسعى بكل قوته جاهدًا لئلا يقوم للإسلام دولة و لا ترتفع له راية, و إعانتهم على هذا باستخدام الأساليب القديمة في قيام دولة إسلامية و التزامها لا شك أنه جهل فاضح مهما تزيى بزي الشريعة و الفقه أو البحث العلمي, و الشهرة لا تغني من الحق شيئًا.
و لذلك قال ابن القيم - رحمه الله:
معرفة الناس: فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي و الحاكم, فإن لم يكن فقهيًا فيه, فقيهًا في الأمر و النهي, ثم يطبق أحدهما على الآخر, و إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح, فإنه إذا لم يكن فقيهًا في الأمر له معرفة بالناس, تصوّر له الظالم بصورة المظلوم و عكسه, و المحق بصورة المبطل و عكسه, و راج عليه المكر و الخداع و الاحتيال و تصوّر له الزنديق في صورة الصديق و الكاذب في صورة الصادق, و لبس كل مبطل ثوب زور, تحتها الإثم و الكذب و الفجور, و هو لجهله بالناس و أحوالهم و عوائدهم و عُرفيّاتهم لا يميز هذا من هذا, بل ينبغي له أن يكون فقيهًا في معرفة مكر الناس و خداعهم و احتيالهم و عوائدهم و عُرفيّاتهم. ا. هـ [1]
و كيف يحصل معرفة المكر الدولي و فهم احتيالاتهم لمن اكتفى بالنظر في الكتب و قراءة الصحف, بخلاف من عايش ذلك واقعًا و رآه عين اليقين و الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
و العجيب أن بعض المشائخ الفضلاء ممن لا يؤيد الدولة مستدلًا بأقوال للفقهاء في القرون السابقة - لو سلمنا بمخالفتها - يقول في فتوى حول الجاسوس المسلم:
وينبغي أن يُلاحظ أن الجاسوس اليوم وبسبب تعقد وسائل القتال وتعددها ودقتها، يختلف أثره عمّا مضى، فضرره في هذا العصر مضاعف جدا، بل هو مدمّر، وقد يكون ضرره أشد من ضرر جيش من العدو ... و كثيرا ما نبهّنا سابقا إلى أن من العلماء المعاصرين من يقف على الأسماء المجردة التي تنطوي تحتها بعض مسائل الخلاف في المذاهب الفقهية، ولا يهتدي إلى اختلاف حقائقها بين زمن تدوين تلك المذاهب، وهذا العصر، فيقع في أخطاء بيّنة, وبيّنا ما وقعوا فيه من خطأ في فهم علاقات المعاهدات الدولية المعاصرة.
وعلى أية حال فالمقصود هنا بيان أن كثيرا مما يقع في هذا العصر، يجب النظر إلى اختلاف الحال فيه اليوم، عما يذكر في كتب الفقهاء من المذاهب المعتبرة، وإلاّ فقد يعين الفقيه الذي لا ينظر بهذا المنظار على هدم الإسلام. ا. هـ
و لعمرُ الله لهو أولى بهذا الكلام من غيره حول مسألة الدولة الإسلامية, فعلام هذا الحديث صار حرامًا للدولة و ضربًا من التعدي على الشريعة! و صار الحديث عن قتل الجاسوس المسلم بهذه النوعية!! مع أن الطحاوي - رحمه الله - حكى الإجماع على أن
(1) المصدر السابق 4/ 204 - 205.