الصفحة 27 من 53

لن نسامحهم يوم القيامة يوم العرض يوم لا تنفع حجج واهية ولا أدلة ساقطة, وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم التي سطروا بها فتاوى هتكوا بها أعراضنا وسفكوا دماءنا) [1]

و في هذا الحديث قال القرطبي - رحمه الله:

قوله: (( إنما الإمام جُنَّة ) )... يعني: أنه يُتَّقى بنظره ورأيه في الأمور العظام، والوقائع الخطيرة، ولا يُتَقدّم على رأيه، ولا يُنفرد دونه بأمر مهم حتى يكون هو الذي يشرع في ذلك.

وقوله: (( يُقاتل من ورائه ) )؛ أي: أمامه. ووراء: من الأضداد، يقال: بمعنى: خلف، وبمعنى: أمام. وعلى هذا حمل أكثر المفسرين قوله تعالى: (وكان وراءهم ملك) ؛ أي: أمامهم ... وأصله: أن كل ما توارى عنك؛ أي غاب، فهو وراء.

وهذا خبر منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن المشروعية، فكأنه قال: الذي يجب، أو يتعيَّن: أن يقاتل أمام الإمام، ولا يترك يباشر القتال بنفسه؛ لما فيه من تعرّضه للهلاك؛ فيهلك كل من معه. ويكفي دليلًا في هذا المعنى تعبئة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه يوم بدر وغيره. فإنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان في العريش، في القلب، والمقاتِلة أمامه.

وقد تضمن هذا اللفظ - على إيجازه - أمرين: أحدهما: أن الإمام يُقتدى برأيه، ويُقاتل بين يديه. فهما خبران عن أمرين متغايرين. وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث، على أن ظاهره: أنه يكون أمام الناس في القتال وغيره. وليس الأمر كذلك، بل كما بينَّاه، والله أعلم. ا. هـ [2]

و قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله: والمراد بالإمام: كل قائم بأمور الناس ا. هـ [3]

و بالتالي فحصر الإمام الشرعي فيما ذكر هو تحكم بلا دليل و تحميل للأدلة ما لا تحتمل, فجعلها من قبيل النص هو من الكذب على الله و رسوله, لأنه لو كان نصًا لما وسع هؤلاء الأئمة الأعلام و غيرهم تركه و عدم التصريح به!

نعم .. ما ذكر في التأويل السابق صحيح لكنه يأخذ كمال الدور الذي ينبغي للإمام, لكن أن يجعل هو الإمام الشرعي لا غيره, فلا شك أنه عندئذ تحريف للنصوص.

كيف و النبي - صلى الله عليه و سلم - لما أراد الانتقال من قريش إلى مكان يقيم فيه دولته التي ينشر منها دعوته, كان مما يسألهم في البيعة أن يمنعوه و يدافعوا عنه!!

كما جاء في حديث جابر - رضي الله عنه - و غيره: قلنا يا رسول الله: علام نبايعك؟! قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة

(1) اللقاء الأول مع وزير الحرب.

(2) المفهم لما أشكل في تلخيص كتاب مسلم.

(3) فتح الباري 6\ 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت