وأما الإمام أحمد -رحمه الله- فالروايات عنه مختلفة متعددة، والمشهور عنه هو القول بعدم الجواز -أي بعدم جواز الخروج-، حيث قال في رواية عبدوس بن مالك:"ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا برًا كان أو فاجرًا فهو أمير المؤمنين"أ. هـ.
وهذه الرواية الجليلة قد طار بها العدناني وهذا ليس مستغربًا من أمثاله، فعادة أهل البدع أن يأخذوا من الأقوال ما يناسب بدعتهم، لا أن يذكروا الأقوال وأدلتها ويرجحوا بينها ويأخذوا بما قوَّاه الدليل منها كما هو حال أهل السنة.
فالعدناني -مثلًا- لم يذكر أن الأئمة الثلاثة -أبا حنيفة ومالكًا والشافعي- ليس على هذا الرأي، ولم يذكر أن هناك روايات أخرى عن أحمد ذكرها أهل المذهب عنه، ومن هذه الروايات ما ذكره أبو يعلى في ذيل طبقات الحنابلة كتابًا ذكر فيه بالسند المتصل اعتقاد الإمام أحمد، وفيه قول الإمام أحمد:"من دعى منهم -أي الأئمة- إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامة، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا"وانظر إلى قوله"وإن قدرتم على خلعه فافعلوا"أ. هـ.
وقد ورد في رواية حنبل قال عن المأمون:"وأيُّ بلاء كان أكبر من الذي أحدث عدو الله وعدو الإسلام من إماتة السنة"انتهى من الأحكام السلطانية.
وهذا لا شك يعارض الروايات السابقة بما يصعب معه الجمع، إلا إذا قلنا إن الفسوق والجور والبدع مختلفة، فمنها ما لا يجوز معها الخروج وتُحمل عليه روايات المنع، ومنها ما هو أعظم فيجوز الخروج بشرط الاستطاعة، وعليه تُحمل روايات الجواز، أو لعله منع من الخروج لشكه في نوايا الخارجين أو لعلمه بضعفهم أو بإحداثهم فتنة بين المسلمين، وأجاز ما سوى ذلك. قاله الشيخ الدميجي.
ومذهب الحنابلة عدم الجواز وخالف في ذلك منهم خلق كابن رزين وابن عقيل وابن الجوزي، ونذكر أن ممن طبق الخروج فعلًا على السلطان المبتدع الواثق بالله القائل بخلق القرآن، الإمام أحمد بن نصر الخزاعي، وقد مدح الإمام أحمد فعله، وقال عنه بعد أن استشهد:"رحمه الله ما أسخاه لقد جاد بنفسه له"أ. هـ.