الصفحة 107 من 123

ذلك من المحن، وهي مشهورة منشورة والله أعلم"انتهى كلام الشيخ الدميجي بتصرف يسير."

وهذه الخلاصة النافعة الماتعة هي ما توصَّل إليه الشيخ وما أداه إليه اجتهاده ونحن نوافقه عليه بشكل شبه كامل وهو قد بذل جهده -جزاه الله خيرًا-، وليس معنى هذا أن قوله هو المعتبر فيما ذهب إليه بلا منازع، فلا زالت المسألة مجالًا للأخذ والرد بين العلماء للأسباب التي ذكرها هو نفسه، إذْ قال فيما سبق:"وسبب الخلاف هو اختلاف الفهم للنصوص الناهية عن الخروج والأخرى المؤيدة له، كما أن أحوال أولئك السلاطين غير منضبطة ولا ثابتة فمنهم القريب إلى العدل، ومنهم القريب إلى الكفر، ومنهم الغامض"انتهى

فمن غير المعقول أن يكون القول في القريب إلى العدل كالقول في القريب إلى الكفر.

وأضاف الشيخ:"ومنهم من يكون في عصر يندر فيه الأخيار ومنهم من سوى ذلك، ثم إن من العلماء من ينظر إلى الحسنات مقتصرًا على نصوص الطاعة، وآخرون ينظرون إلى السيئات ويستشهدون بأحاديث الخروج، ومما ينظر إليه الفقهاء كذلك كون الخارج مساويًا للمخروج عليه أو أظلم منه، بينما يرى آخرون أنه أعدل وأحق"انتهى بتصرف.

فالمسألة كما قلنا مجال للأخذ والرد بين العلماء مع الأخذ بعين الاعتبار لما قاله الإمام أبو حنيفة ومالك وابن حزم ومنسوب للشافعي كذلك، ويُفهم من كلام الشيخ أبو قتادة أنه مع هذه الزمرة من العلماء وليست الغاية ها هنا تصويب هذا الرأي على ذاك ولكن نخشى من أن يأتي من يصور المسألة وكأنها محل إجماع ليس فيها خلاف، فقد رأيت كم وكم اختلف فيها العلماء ولا زالوا، وكم حشد كل فريق من الأدلة على مذهبه، ورأيت ردود كل فريق على الآخر.

ولعل مما يفيد في هذا الباب أن نقول: توفيقًا بين مذهب السلف القديم في هذه المسألة وما تلاه فيما بعد من مذهب للعلماء استقر عليه رأي اهل السنة أن العهد الأول القديم كان فيه الصلاح هو السمة العامة على المجتمع الإسلامي وكانت النفوس حينها لا تحتمل الظلم أبدًا ولا تتهيأ لذلك أبدًا، بل تنفر منه نفورًا شديدًا؛ لقرب عهدها بعهد النبوة، ولما يغلب على ظن مَن خرج في هذه الأعصار أن الخروج سيحقق مقصوده، لأن السائد هو الصلاح، لذلك خرج من خرج بمجرد أن رأى الظلم وكانت إمكانية التغيير كبيرة نظرًا لأن الصلاح هو السمة العامة، وكان أهل ذلك الجيل يرون الظلم الذي نراه نحن اليوم يسيرًا كانوا يرونه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت