شديدًا كبيرًا إذا قارنوه بما كان عليه الرعيل الأول الذين عاشوا زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين، بينما نراه نحن اليوم يسيرًا إذا ما قارنَّاه بالحال الذي وصلناه.
فكانت نفوس من عاش مع الخلفاء الأربعة في عدلهم لا تطيق الظلم ولا تحتمله؛ لذلك جاء خروجهم على من ظلم، وهذا كان مذهب السلف القديم، فلما بَعُد العهد وقلَّ الصلاح وانتشر الفساد وعظم الشر حيث أنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، وصار الخروج في ظل هذه الحال يكلف من الدماء والجهد ما غلب على الظن أن تركه أقل ضررًا من الإقدام عليه إذْ تضاءلت الفرص بالنظر إلى إمكانية التغيير وصار الخوف قويًا من انفتاح باب الفتنة لدى التفكير في أي تغيير، صار الحال إلى تغير فتوى أهل السنة من باب تغير الفتوى بتغير الزمان! هذا هو سبب تحول رأي أهل السنة عما كان عليه مذهب السلف القديم.
والنظر في هذه الأشياء مفيد من جهة فَهْمنا لفقه السلف في التعامل مع المسائل بحسب المصالح والمفاسد المرجوة منها والمترتبة عليها، وتغير الحال والزمان هو الذي أداهم لتغيير الفتوى، وليس معنى هذا أن أهل السنة استقروا على رأي فيه مخالفة لسلفهم حاشاهم من ذلك، ولكن فهمهم لفقه سلفهم من النظر لمصلحة الأمة وتقديم هذه المصلحة هو الذي دفعهم لذلك، إذا فهمنا هذا فيمكن على ضوئه أن نقول: إن المعيار في الخروج على أئمة الجور وعدمه هو النظر في العواقب والمآلات، فحيث ما كان يغلب على الظن حصول شر مزيد على جور الجائرين فالفقه يقتضي ترك الخروج، وحيث ما كان يغلب على الظن حصول التغيير دون انفتاح باب الفتن والدماء وتمزق كلمة الأمة فعندها يجوز.
ويمكن بالنظر في هذا مع النظر في كل واقعة على حده، أو في كل واقع بحسبه، الأخذ بقول المانعين مرة والمجيزين أخرى بحسب ما يناسب الحال مما فيه توخي تحقيق مصلحة الأمة، ولعل في هذا توفيقًا بين القولين ونسأل الله السداد والرشاد، وإن يكن خطأ فنسأله -سبحانه- أن يتوب علينا ويغفر لنا إنه سميع مجيب.
أقول كل هذا حتى لا يأتي جويهل فيأخذ أقوال الأئمة العظام واختلافاتهم في حال كانت الخلافة فيه قائمة ممكنة مرهوبة الجانب قوية عزيزة رغم ما حصل من جور وظلم عند بعض الخلفاء وتغلُّب بعضهم على بعض.
أقول هذا حتى لا يأتي من يأخذ أقوال الأئمة في ذلك الحال ويقول بها ويطبقها حال القوة والتمكن كما كان عليه المسلمون زمن بني أمية وبني العباس، يطبقها على حال المسلمين اليوم حيث سقطت الخلافة وقام سوق الجهاد في عدد من بلاد المسلمين لاستعادتها، فإذا