فساده، ثم إن المساحة ليست شرط الوحيد الذي متى تحقق صح اعتبار مالكها ودولة أو خلافة وإن كان شرطًا مهمًا، فالمساحة شرط من مجموعة شرائط وتحقق هذا الشرط لا يعني أن بقية الشروط قد تحققت، وتحقق بعض الشروط في ظل تخلف غيرها يعود على الأصل بالإبطال.
وجماعة الدولة لم تسلك السبيل السننية في إقامة دولتها وخلافتها بأن ملَكت المساحة ثم أقامت عليها دولة مُمكَّنة لا يماري أحد في كونها دولة أو كونها ممكنة، بل إنها استغلت ظرف الفتح الذي وقع في العراق بجهد مشترك كان لها نصيب وافر منه استغلته في إعلان خلافة طالما خططت لإعلانها قبل ذلك، بمعنى أن الإعلان لم ينبنِ على التمكين في المساحة التي فُتحت وإنما جاء الإعلان المرتقب والمنتظر استغلالًا لهذا الفتح بدليل أنهم كانوا قد لوحوا قبل الفتح بإعلان الخلافة كما ذكر ناطقهم الرسمي في كلمة له سابقة، إذْ جعل السبيل لحل الخلاف هو التوافق على إعلان خلافة أو على تسمية خليفة.
وفي هذا الصدد يقول الشيخ أبو قتادة: "لقد أطلق الناطق الرسمي لهذه الجماعة الدعوة إلى إعلان الخلافة في خصومته مع الحكيم الظواهري قبل حصول الفتح في العراق والهبة الربانية لهم مما يدل على أن جرثومة الجهل بموضوع الخلافة سابقٌ على هذا الأمر فلا يحتج لهم بالتمكين ولا بغيره" انتهى.
وما حصل لهذه الجماعة من فتح لا يرقى إلى مستوى ادعائهم الخلافة؛ لأنه تمكين مدعى دلل عليه أصحابه بملكيتهم لبعض جوانب التمكين لا كلها، ولا بد حتى يصح ادعاء التمكين من أن نرى صورة دولة حقيقية بالمعنى الذي يعرفه بنو البشر في هذه الأيام بما لا يجادل فيه مجادل، وحالة قياس الدولة الإسلامية التي ننشدها على دولة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة تعتبر من باب القياس مع الفارق فيما نرى والله أعلم.
فبالنظر العميق إلى سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالدراسة الدقيقة لسيرته نستطيع القول أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو كان حيًا بين ظهرانينا لنظر في المتغيرات التي تحيط به ولبنى دولته بناءً على تلك المتغيرات، ولنَظر في معنى ومفهوم وحقيقة الدولة بمعناه المعروف اليوم ولأقام دولته بناءً على هذا المعنى وتلك الحقيقة.
وشكل الدولة وماهيتها قد تختلف من عصر لآخر بحسب ما يتعارف عليه أهل كل عصر، وليس في هذا خروج عن الإسلام والسنة بل هذا من الأعراف التي لا تخرج عن ديننا، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنى دولةً بالنظر إلى القوانين الحاكمة لعصره تعتبر دولة عند العدو