التهرب من التحاكم لشرع الله، إذْ جعلوا الوسيلة لحلِّ الخلاف القائم بينهم وبين مخالفيهم هو التوافق على خليفة، ثم أعلنوا الخلافة بعد فترة!
ولا يخفى أن هذا الأسلوب البدعي لا علاقة له بموضوع الخلاف، فالسبيل لحل الخلاف والنزاع والخصومات هو الفصل فيها عبر قضاءٍ شرعي، ولا سبيل غيره، وكل الوسائل البدعية إنما استخدمها القوم ليتهربوا من هذه النقطة، وما كنتُ أظن أنهم بعد استخدامهم للمباهلة في غير محلها سيقومون بالإقدام على استعمالِ وسيلة أخرى إلى أن سمعنا منهم ما سمعنا!
وراحوا يُركِّبونَ على هذه البدعة بدعًا أخرى لا تمت إلى الدليل بصلة ولا إلى العلم والتاريخ، إذْ استنبطوا من تأصيلاتهم البدعية أنهم دولة والآن صاروا خلافة، وليس لمثلهم كدولة خلافة -كما زعموا- أن تتحاكم مع فصيلٍ أو جماعة، ونسي هؤلاء الجهلة كيف كان القُضاة في تاريخنا الإسلامي يُوقِفون الخلفاء ويسألونهم، ونسوا كيف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الإمام والخليفة نصَّبَ قاضيًا يحكم في بني قُريظة، وهو سعد بن معاذ -رضي الله عنه-، ورضي بحكمه، مع العلم أنهم يهود وكانوا قد نقضوا العهد بمعنى أن الحُجة قائمةٌ عليهم.
قال الشيخ أبو قتادة حول هذه النقطة:"ولقد كان لأهل العقول والدين والحكمة مندوحةٌ عن هذا وهو أن يتحقق الوفاق ثم يُبنى عليه، وتحقيق الوفاق كان قريب المنال لو كان عند القوم دينٌ وخلقٌ وتقوى وعلمٌ، وقد دعاهم الناس إليه كثيرًا، ألا وهو التحكيم الشرعيُّ، لكنهم تكبَّروا فرفضوه، وعظَّموا أنفسهم إذْ جعلوا تنظيمهم دولة لا يصلح أن يجالس الصغار من التنظيمات في مجلس تحكيم وقضاء، وبرروا ذلك أن التاريخ الإسلامي يخلو من جلوس دولةٍ في مجلس تحكيم مع تنظيم! ولو قرأ هؤلاء قوله- تعالى-: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... } وتفسير أمنا عائشة -رضي الله عنها- لما كذبوا هذه الكذبات على القرآن والسنة، ولو قرؤوا سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لرأوا كيف قبل حكم سعد بن معاذ في غزوة اليهود القرظيين، ولو قرؤوا التاريخ لرأوا كيف قبل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- التحكيم فيما بينه وبين معاوية -رضي الله عنهم-"انتهى.
ومن مقاصدهم البدعية كذلك، طرح أنفسهم للأمة على أنهم قد تجاوزوا مرحلة التنظيمات وصاروا دولة الخلافة، وهذا ليصعدوا فوق كل التنظيمات والجماعات بل فوق الأمة كلها، ولا سبيل لهم للصعود في دنيا الواقع والحقيقة فراحوا يصعدون في دنيا التهويمات