الصفحة 43 من 123

وأما مبادرة الفاروق إلى بيعة الصديق -رضي الله عنهما- فقد كان عمر هو المبادِر وتبعه من تبعه رضًى بما ذهب إليه لا أنه قد ألزمهم ببيعته لأبي بكر! كيف وهو القائل:"من بايع رجلٌ من غير مشورة من المسلمين فلا يُتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يُقتلا"فعمر هو السابق إلى البيعة ولا بد لكل بيعة من سابق -كما قال شيخ الإسلام-.

أما الاستدلال بمقولة العباس على صحة بيعة الواحد فلا يصح لعدم صحة السند، ولو فُرض صحته فإنه لم يتم ولم يفعله، ولو فعله لكان من باب التحبيب والتشجيع لغيره على البيعة فهو كالمبادرة التي سبقَت في فعل عمر لا تُلزم غير المبادر.

وأما ما ذهب إليه الشافعية من انعقاد الإمامة بالواحد إذا انحصر أهل الحل والعقد فيه فلم يحصل في عصر من الأعصار انحصار أهل الحل والعقد في واحد، ويندر أن يحدث ولا حكم للنادر، ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد) .

المذهب الثالث في هذه المسألة/ مسألة العدد، مذهب من اعتدل في تحديد أهل الحل والعقد فلم يشترط الإجماع ولم يحدده بعدد، بل اشترط أصحاب هذا المذهب جمهور أهل الحل والعقد والأغلبية الذين هم أهل الشوكة والذين بمبايعتهم واختيارهم للإمام يحصل مقصود الإمامة.

أعيد: اشترط أهل هذا المذهب جمهور أهل الحل والعقد والأغلبية الذين هم أهل الشوكة، والذين بمبايعتهم واختيارهم للإمام يحصل مقصود الإمامة وعلى هذا فتخلف البعض لا يطعن في صحة الاختيار، وبالمقابل موافقة القلة لا تعطي الخليفة سندًا شرعيًا بالسلطة حيث أن تخلف القلة لا يؤثر في مقصود الإمامة، كما أن موافقة القلة لا يحقق مقصود الإمامة، فأنت ترى أن المناط المعتبر -أي العلة المعتبرة- في هذا الباب هو ما يتحقق به مقصود الإمامة وفي هذا دلالة على أن الغاية هو تحقيق هذا المقصود وقد ذهب إلى هذا القول أبو يعلى حيث قال: قال أحمد في رواية إسحاق ابن إبراهيم:"الإمام الذي يجتمع قول أهل الحل والعقد عليه كلهم يقول هذا إمام"قال:"وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم"انتهى

وهذا المذهب هو مذهب شيخ الإسلام حيث قال:"وإنما صار -أي أبو بكر- إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة؛ ولهذا لم يضر تخلف سعد ابن عبادة -رضي الله تعالى عنه- لأن ذلك لا يقدح في مقصود الإمامة، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان الذَيْن بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك حصل بموافقة الجمهور على ذلك،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت