الطريقة الثانية من طرق انعقاد الإمامة: كما قلنا سابقًا الاستخلاف أو العهد، وصورة ذلك أن يعهد السابق إلى من يختاره ويراه لائقًا من بعده عبر مشاورته لأهل الحل والعقد فيمن يختار، فإذا وقع اختياره على معين ووافقه أهل الحل والعقد فإنه يعهد إليه من بعده.
وهي طريق شرعية جائزة، ومن أدلة جوازها هَمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعهد لأبي بكر، قال شيخ الإسلام:"وتركه -أي ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - العهد لأبي بكر-؛ لعدم الحاجة إليه، وظهور فضيلة الصديق واستحقاقه، وهذا أبلغ من العهد".
وقال أيضًا:"ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يُقبل النزاع فيه"انتهى.
ومن الأدلة كذلك، استخلاف الصديق للفاروق -رضي الله عنهما- وكذلك إجماع الصحابة، قال النووي في (شرح مسلم) :"حاصله أن المسلمين أجمعوا أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت وقبل ذلك، يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه"انتهى.
ولا محل لطعن من طعن في هذه الطريقة، نظرًا لاشتراط الكفاءة في المستخلَف، ولأن الاستخلاف إنما يتم بعد مشاورة أهل الحل والعقد ومبايعتهم، مع اشتراط أن يستوفي المستخلَف شروط الإمامة.
ولكن ها هنا سؤال، هل تنعقد الخلافة للمستخلَف بالعهد أم بالبيعة من أهل الحل والعقد؟ والراجح في جواب هذه المسألة، أن الخلافة إنما تنعقد له بالبيعة من أهل الحل والعقد، قال علي -رضي الله عنه-:"ولا تنعقد الإمامة إلا ببيعة المسلمين".
وقال أبو يعلى الفراء:"الإمامة لا تنعقد للمعهود له بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين".
وقال شيخ الإسلام:"وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إمامًا لما بايعوه وأطاعوه، ولو قُدِّرَ أنهم لم ينفذوا عهد أبو بكر ولم يبايعوه -أي لم يبايعوا عمر- لم يصر إمامًا"انتهى.
وهناك قول في هذه المسألة، خلاف الراجح قال به البعض كالماوردي -رحمه الله-، وقد حدد العلماء مجموعة من الشروط لصحة الاستخلاف، منها:
-تحقق شروط الإمامة في المستخلَف.
-وقبول المستخلَف ورضاه بالعهد إليه.