الصفحة 49 من 123

قال عمر:"وإنّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرٍ أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجل منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورةٍ من المسلمين فلا يُتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يُقتلا".

وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس، قال:"كنت أُقرِئُ رجالًا من المهاجرين منهم عبد الرحمن ابن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر ابن خطاب في آخر حجة حجها إذْ رجع إلي عبد الرحمن فقال: لو رأيتَ رجلًا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان يقول لو قد مات عمر لقد بايعتُ فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكرٍ إلا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائمٌ العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم"

ثم قال -من نفس الحديث-:"ثم إنه بلغني قائل منكم يقول: والله لو قد مات عمر، بايعتُ فلانًا. فلا يغتر امرؤٌ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن وقى الله شرها وليس فيكم من تُقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يُتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يُقتلا"وفي رواية:"فلا يُبايع".

قال ابن حجر:"في قوله يغصبوهم أمورهم: المراد أنهم يثبون على الأمر بغير عهدٍ ولا مشاورة"أي بدون طريقَيْ الاستخلاف الذين سبق الكلام عنهما، وقال ابن حبان:"معنى قوله كانت فلتة -أي بيعة أبو بكر- أن ابتدائها عن غير ملأٍ كثير، والشيء إذا كان كذلك يُقال له الفلتة فيُتوقع فيه ما لعله يحدث من الشر بمخالفة من يخالف في ذلك عادة فكفى الله المسلمين الشر المتوقع في ذلك عادة، لا أن بيعة أبا بكرٍ كان فيها شر"وقد ذكر ابن حجر في معنى الفلتة غير هذا.

وأما قوله"وليس فيكم من تُقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر"، قال الخطابي:"يريد أن السابق منكم الذي لا يُلحق في الفضل، لا يصل إلى منزلة أبي بكر، فلا يطمع أحدٌ أن يقع له مثل ما وقع لأبي بكر من المبايعة له أولًا في الملأ اليسير ثم اجتماع الناس عليه وعدم اختلافهم عليه لما تحقق من استحقاقه، فلم يحتاجوا في أمره إلى نظر ولا مشاورة أخرى وليس غيره -أي ليس غير أبي بكر- في ذلك مثله"انتهى ملخصًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت