الصفحة 57 من 123

والحكم -كما يقول أهل العلم- يدور مع علته وجودًا وعدما، وإذا اِنتفت العلة اِنتفى المعلول -أي اِنتفى الحكم- فنحن أقررنا بالتغلب رغم كونه منكر ومفسدة؛ درءًا لمفسدة أعظم ومنكر أكبر، وهو ما سبق من العلل.

ولو نظرنا لواقع جماعة الدولة لرأينا أن قولنا بإقرار دعواهم التغلب وبالتالي الخلافة لا يحقق أيًا من تلك العلل بل يحقق عكسها تمامًا، فإذا اِنتفت العلة وقد اِنتفت اِنتفى المعلول وهو القول بصحة وإجازة قولهم بالتغلب.

فلو نحن سكتنا على دعواهم وأقررناهم عليها، فإن هذا يعني مزيدًا من الدماء؛ لأنهم سيسفكونها باسم الخلافة، ويعني مزيدًا من الفتنة وتكريسًا لشق الصف وتمزيق الوحدة وتفريق الكلمة وتشتيت الشمل، وبالتالي مزيدًا من الضعف وتسلط العدو، ومزيدًا من خسارة الجهاد وأهله.

فكل العلل والمناطات التي دعت أهل السنة للقول بإقرار إمارة التغلب موجود عكسها تمامًا وضدها تمامًا في حالة قولنا بإقرار دعوى الخوارج في إعلانهم الخلافة، وحيث أن المناطات التي جعلت أهل السنة بقرون بإمارة التغلب غير متوفرة في حالتنا فيرجع الأمر إلى أصله وهو عدم الجواز؛ لأن ضرورة دفع المفسدة الكبرى بارتكاب ما دونها هي التي جعلت أهل السنة يقرون إمارة التغلب، فكيف لو كان عكس هذه العلل موجود في حالة تغلب الخوارج؟! لا شك أن الأمر -أي إقرارهم- يصبح غير جائز أيضًا، بمعنى أننا بهذا الإقرار لهم نرتكب المفسدة الكبرى درءًا لما هو أصغر منها، ومن فقه الشيخ أبي قتادة في هذا الباب قوله:"فلا يجوز لمسلم يعلم دين الله -تعالى- أن يتابعهم على هذا الأمر".

ثم إن هؤلاء خوارج، وفرق بين تغلب السني على السني وتغلب الخوارج على أهل السنة، يقول الشيخ أبو قتادة:"وهم -أي جماعة الدولة- وإن كان لهم نكاية في الزنادقة الأنجاس، لكن هذا شيء وأمر سياسة المسلمين وقيادتهم شيء آخر حيث لا رحمة في قلوبهم على إخوانهم المجاهدين، فكيف سيكون أمرهم على فقراء الناس ومساكينهم وضعفائهم وعوامهم؟! وقد أجاز علماؤنا الجهاد تحت الأمير الخارجي كما أفتى علماء المالكية في المغرب الإسلامي، لكن لا يُعلم إقرارهم لحاكم خارجي يكون همه قتل الناس لا سياستهم ورعايتهم"انتهى كلام الشيخ.

ولي على هذا الكلام الطيب مزيد تعليق وتوضيح، فأقول: أما أن علماء المالكية من أهل القيروان أفتوا بجواز القتال تحت راية أبي يزيد الخارجي ضد العبيديين، وقالوا نقاتل تحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت