راية من آمن بالله ضد من كفر بالله فهذا من حيث الحكم الشرعي جائز كما ذكر الشيخ، ولكن لا يُنصح به من باب السياسة الشرعية بدليل أن أبا يزيد المذكور أعطى أمرًا لجيشه من الخوارج بالانسحاب حين رأى أن كفة المعركة بدأت تميل لصالح أهل السنة من أهل القيروان وعلمائها ما أدى إلى أن يستحر القتل فيهم على يد العبيديين، حتى قُتل من قُتل من أولئك العلماء وأهل السنة وهذا ليس مستغربًا عن الخوارج؛ نظرًا لأنهم يُكفرون المسلمين ولا يرون فرقًا بين السنة والعبيديين لأنهم يُكفرون الطرفين، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، فإن القول بجواز القتال تحت راية الخوارج ضد الكفار إنما هو في حالة ما إذا لم يكن لأهل السنة راية، أما حين تكون لهم راية فلا وجه للقول بجواز قتال السني تحت راية الخوارج وقد نوه الشيخ أبو قتادة -حفظه الله- إلى شيء من هذا حيث قال:"ولو كانوا لوحدهم -أي لو كان جماعة الدولة لوحدهم- في ساحة الجهاد ضد الزنادقة لما قاتل المرء إلا تحت رايتهم"انتهى.
وبدلالة المفهوم، أنهم إذا لم يكونوا لوحدهم وكانت هناك رايات سنية تقاتل الزنادقة كما هو حالنا، فعلى المرء أن لا يقاتل تحت رايتهم.
ثم قال الشيخ:"لكن أن يكون لهم شأن الإمامة العظمى على المسلمين في المشرق والمغرب، فهو مع فساده الشرعي والعلمي إلا أنه فاسد المآل ولا شك"وقال أيضًا:"وحيث أنها جماعة بدعية فلا يُقاتَل تحت رايتها إلا اضطرارا"انتهى.
وعليه فكل العلل التي من أجلها جوز أهل السنة إمارة التغلب منتفية في إمارة هؤلاء الخوارج بل وموجود عكسها تماما، أي أن القول بصحة إمارتهم يحقق من المفاسد عكس ما دعا أهل السنة للقول بإمارة التغلب من تسلط هؤلاء الخوارج على رقاب المسلمين وسفكهم لدمائهم وبثهم للفتنة وتكريسهم لشق الصف والكلمة والوحدة باسم التغلب والخلافة.
ثم إن العلماء قالوا بإقرار إمارة المتغلب وهو من تغلب فعلًا وصار تغلبه حقيقة وواقعة، ولم يقولوا بإقرار إمارة من يدَّعي التغلب وحقيقته ليست كذلك، صحيح أنهم غلبوا على أجزاء غير قليلة من العراق والشام ولكن الأمر لم يستتب لهم بعد ولا زالوا في مرحلة المغالبة والمنازعة ولم يصلوا بعد إلى مرحلة التغلب الفعلية.
وهم لو تغلبوا فتغلبهم باطل كما أصّلنا، فكيف وهم لم يتغلبوا بعد؟ وانظر إلى قول الإمام أحمد:"ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة"-أي غلب وانتهى الأمر واستتب له-.