الصفحة 59 من 123

أمرٌ آخر لا بد من إعادة التأكيد عليه، وهو أن قول أهل السنة بإقرار إمارة المتغلب من باب اِرتكاب أخف الضررين تفاديًا لأشدهما لا يعني بحالٍ جواز سلوك هذا الطريق شرعًا، ومن يسلك هذا الطريق فهو ظالم وعليه من الوزر والإثم بقدر ما يوبق به نفسه أثناء سلوكه هذا المسلك.

فمع القول بإقرار إمارة التغلب، يبقى القول بأن هذا المسلك حرامٌ في دين الله، وما أُقِر نهايةً لا ابتداءً وأثناءً إلا تفاديًا لمفسدة أكبر سبق وبيّناها، قال الشيخ أبو قتادة:"وما ذُكر في كتب الفقهاء من أحكامٍ لنوازل أخرى كالتغلب فهي على غير الأصل، فلا تُقر في الفعل ولكن حين تحصل الغلبة التي بها تتحقق مقاصد الإمامة جاز إقراره منعًا من فتن الإمامة"انتهى.

فانظر كيف جعل علامة حصول التغلب تحقُّق مقاصد الإمامة وقد سابق مثل هذا كلام شيخ الإسلام حيث قال:"فمتى صار قادرًا على سياستهم إما بطاعتهم أو بقهره فهو ذو سلطانٍ مطاع إذا أمر بطاعة الله"

وقال الشيخ أبو قتادة:"فإن الناس اليوم جماعات، لا يجوز جمعهم إلا على وجه الرضى أو حصول الغلبة المطلقة، وقولنا الغلبة المطلقة لا تعني جواز التغلب ولا القتال ضد المخالفين لحصوله، فإن هذا قيل من أهل الفقه لمنع سلسلة الخروج، فإقرار الشيء بعد وقوعه لا يعني شرعيته في الابتداء، على قاعدة الشرع يُعفى في الأثناء ما لا يُعفى في الابتداء".

وقال أيضًا:"واقعهم يدل -أي واقع جماعة الدولة- على سعارهم في قتال مخالفيهم وهذا القتال إثم وجريمة كبيرة على أي معنى كان، سواء كان من أجل الغلبة أو من أجل غيرها، أما إن حصل تكفير للمخالف فهذا دين الخوارج ولا شك"انتهى.

وقال الشيخ -حفظه الله وفك أسره-:"من نافلة القول تذكير إخواني أن الإمرة اليوم هي إمرة جهاد، والطوائف إلى الآن طوائف جهاد فليس هناك أمير مُمكَّن يُعامَل معاملة الخليفة أو ما أشبهه من الأسماء والألقاب، ومن لم يبصر هذا المعنى كان فساده أشد حيث يلزم الآخرين بلوازم هذا الاسم من إمرة المؤمنين أو خلافة المسلمين".

وقال الشيخ المقدسي -حفظه الله-:"وأُذكر بضرورة التنبه إلى الفرق الواضح بين إمارة الحرب والجهاد أو الإمارات قبل التمكين وبين إمارة المؤمنين والدولة الممكنة فضلًا عن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت