والمقصود بالمعصية: ما كانت صريحة دل الكتاب والسنة على تحريمها، لا المعصية التي يتأول فيها المأمور ويتحايل حتى يوهم نفسه أنه إنما امتنع لأنه أُمر بمعصية مغالطة لنفسه أو لغيره.
هذا، ويطاع الإمام ولو كان جائرًا على العموم إلا في الجور؛ لأنه يُعد من الطاعة في المعصية وهي محرمة، فالإمام الجائر يطاع في أمره بطاعة الله ويُعصى في أمره بمعصية الله، ما لم يصل جوره وفسقه إلى الحد الذي يوجب عزله كما سيتبين معنا، يدل على هذا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع) رواه مسلم.
وإذا كان الإمام لا يطاع في المعصية ووجب نصحه وتقويمه فعلى من قام بالحق في هذا الباب ودعا إليه أن يعلم أن أئمة الجور سيتصدون له، فليصبر وليحتسب وليُهني قوله - صلى الله عليه وسلم - لمّا سُئِل: أي الجهاد أفضل؟ قال: (كلمة حق عند سلطان جائر)
وهذه المسألة -أي مسألة الصبر على الأذى الشخصي- ليس متفق عليها عند السلف، فقد خالف في ذلك ناسٌ منذ عصر الصحابة -رضي الله عنهم- عملًا بأدلة أخرى كقوله -تعالى-: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ}
وقوله - صلى الله عليه وسلم: (من قُتل دون ماله فهو شهيد) ولا يخفى أن هذه الأدلة عامة وتلك خاصة.
ولابن حزم في هذا الأمر مقال، حيث يرى أن الصبر على الإمام إذا أخذ المال وضرب الظهر إنما هو فيما إذا ما تولى بحق وقال:"أما إن كان بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على ذلك"انتهى.
وسنفصل القول في هذا عند الحديث عن عزل الإمام -إن شاء الله تعالى-.
وننوه في ختام فقرة الطاعة إلى القاعدة الجليلة التي أصَّلها أهل السنة حيث قالوا:"تصرفات الإمام على الرعية منوطة بالمصلحة".
الحق الثاني من حقوق الإمام: النصرة والتقدير، فعلى الأمة أن تقوم مع إمامها وتعينه على نوائب الحق ولا تُسلمه لعدوه في الداخل والخارج، قال أبو يعلى:"وإذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة، ما لم يوجد من جهته ما يخرج به عن الإمامة"انتهى.
ومن أجل هذا شُرع قتال أهل البغي وأهل الحرابة.