وقد عدَّ ابن بطة النصيحة عمومًا من أصول السنة عند السلف، وينبغي للناصح للسلطان أن يراعي مكانته بحيث لا يخرق هيبته، وأن يحذر التأنيب، والتعيير، والغيبة، والسعاية وهذا في حق أئمة العدل، وأما أئمة الجور فقد كان علماء السلف يصدعون بقول الحق والنصح لهم في وجوههم، وإن توقعوا أو تيقنوا الإيذاء بسبب ذلك لا يخافون في الله لومة لائم، يَحدُوهم في هذا قوله - صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطانٌ جائر) نسأل الله أن يبلغنا هذه المنازل.
الحق الرابع من حقوق الإمام: حق المال، فالإمام بحاجة للمال؛ لمأكله ومشربه وخدمه وعياله ونحو ذلك، بحيث يأخذ من المال ما يكفيه ومن يعول، وقد أخذ أبو بكر وعمر ما يكفيهما من بيت المال، قال عمر -رضي الله عنه-:"إني أنزلتُ نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيتُ استعففتُ وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف"يشير بذلك لقول الله -تعالى-: {وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} .
روى الإمام البخاري بسنده إلى حويطب ابن عبد العزى، أخبره أن عبدالله ابن السعدي، أخبره أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر:"ألم أُحدَّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا فإذا أعطيتُ العُمالة -أي: أُجرة العمل- كرهتها"فقلتُ: بلى -إلى قوله- قال عمر:"لا تفعل فإني كنتُ أردتُ الذي أردت فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالًا فقلتُ: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (خذه فتموَّله وتصدق به فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك) "
قال الحافظ:"قال الطبري في حديث عمر: الدليل الواضح على أن من شُغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك"انتهى.
ولكن الأمر في هذا وسط، فلا إسراف ولا تقتير.
الحق الخامس من حقوق الإمام: الحكم، مدة صلاحيته للإمامة بحيث يبقى الإمام حاكمًا ما دام صلاحًا للإمامة فليس في نظام الحكم في الإسلام تحديد مدة للخلافة، بخلاف ما عليه أهل الدنيا اليوم في سياساتهم ونظمهم من علمانية وديمقراطية.