فأما القائلون بالعزل مطلقًا فيرون أن طروء الفسق كأصالته في إبطال عقد الإمامة؛ وذلك لانتفاء الغرض المقصود أصلًا من الإمامة، ونسب الإمام القرطبي هذا القول للجمهور حيث قال:"قال الجمهور إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم"... إلى أن قال:"فلو جوَّزنا أن يكون فاسقًا أدَّى إلى إبطال ما أُقيم له -أي أنه هو ما أقيم لإقامة العدل- وكذلك هذا مثله"أ. هـ.
ونسب الزبيدي هذا القول إلى الشافعي في القديم وإليه ذهب بعض أصحابه، وهو المشهور عن أبي حنيفة -رحمه الله-.
وأما القائلون بعدم العزل بالفسق مطلقًا فهم جمهور أهل السنة، قال القاضي عياض:"وقال جمهور أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يُخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه"انتهى.
ولا بد أن نفرق بين تعطيل الحقوق وبين الصيال عليها على جهة العدوان المنظم في المال والنفس، فهذا يجب دفعه وردُّه كما هو حال هذه الجماعة الصائلة"جماعة الدولة"، فنفرق بين تعطيل الحقوق الذي جرى في كلام العلماء وبين الصيالِ على هذه الحقوق، إذْ أن الصيال يجب دفعه هذا من جهة، ومن جهة ثانية فالقاضي عياض إنما يتكلم عن الفسق وإنما كلامه عن البدعة فقد سبق قوله:"أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعه"
وقال النووي:"إن الإمام لا ينعزل على الفسقِ على الصحيح، وأما صاحب الأحكام السلطانية فنوَّه إلى أن أحمد منع الخروج على الأئمة لما في ذلك من إحياء للفتنة"أ. هـ.
فهذا يعني أن العلة في منع الخروج هو الفتنة في واقعٍ كانوا يعيشونه حيث الخلافة قائمة.
أما في واقعنا فالفتنة إنما هي بإقرار هؤلاء على باطلهم وبدعتهم؛ لأنهم من شق الصف وفرق الجماعة وسفك الدماء ولا زال وقتل المجاهدين، ولو رحنا نقلب في كلام أهل العلمِ وننزله على واقع جماعة الدولة لوجدنا أن أقرب صورةٍ للبغدادي في واقعنا مشابهة لما كان الحال عليه في واقع قيام الخلافة سابقًا هي صورة ذلك الوالي التابع للخليفة وليست صورة الخليفة، ثم إن هذا الوالي خرج على أميره بإقليمه وعصى أمر أميره وشق الصف ونزع يد الطاعة، فهنا يجب على أصول أهل العلم عزل هذا الوالي وقتاله لإعادة جمع