وإن شئت أن تزيد إلى شهادتهم شهادة آخرين هم جبال أيضًا في الثقة والدين والعلم، فخذ شهادة ابن شبرمة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وزهير بن معاوية، وابن جريح، وعبد الرزاق، والشافعي، ووكيع بن الجراح، وخالد الواسطي، وسفيان بن عيينة، فهؤلاء عشرة على العشرة الأولى فغدوا عشرين إمامًا مزكيًا...
هؤلاء كلهم قد أطبقوا على الثناء على أبي حنيفة في دينه وصلاحه وتعبده، وورعه وعلمه وفقهه، وتثبّته وثقته وإمامته، وعقله ونباهته وهديه وسمته وكرمه، وامتناعه عن تولي القضاء ورعًا وخوفًا على دينه وآخرته، وأنه اختار الحبس وما ناله من العذاب على تولي القضاء، وتلك شهادتهم فيه، وهم برءاء من التعصب له، والتعصب على شانِئِيه )) .
ولله در القائل:
إمامُ المسلمين أبو حنيفة
لقد زانَ البلادَ ومَن عليها
كآيات الزبور على الصحيفة
بأحكام وآثار وفقه
ولا بالمغربين ولا بكوفة
فما في المشرقين له نظير
أمينًا للرسول وللخليفة
إمامًا صار في الإسلامِ نورًا
وصامَ نهارَه لله خيفة
يبيت مشمّرًا سهرًا لليالي
وما زالت جوارحُهُ عفيفة
وصانَ لسانَه عن كلِّ إفكٍ
ومرضاةُ الإله له وظيفة
يعفُّ عن المحارم والملاهي
إمامٌ للخليقة والخليفة
فمَن كأبي حنيفة في علاه
خلافَ الحقِّ مع حجج ضعيفة
رأيتُ العائبين له سفاهًا
له في الأرض آثارٌ شريفة
وكيف يحلّ أن يُؤْذَى فقيهٌ
صحيحَ النقل في حكم لطيفة
وقد قال ابنُ ادريس مقالًا
على فقه الإمام أبي حنيفة
بأنّ الناسَ في فقهٍ عيالٌ
على مَن ردَّ قول أبي حنيفة (1)
(1) ذكر الإمام اللكنوي هذه الأبيات في القول الجازم ص15 فعلقت عليها: أجد في نفسي شيئًا من نسبة كل هذه الأبيات إلى ابن المبارك؛ لأنه توفي سنة 181هـ، وتوفيَّ الشافعي 204هـ، وقد ذكر صاحب الفهرست 1: 284 هذه الأبيات إلى حججٍ ضعيفة،ونسبها إلى ابن المبارك. والله أعلم.