المبحث الثاني
قليلٌ من الناس يدرك ما كانت عليه الكوفة من المكانة العلمية الرفيعة؛ ولذلك طال لسان كثيرين بالطعن على مدرسة الكوفة الفقهية بأنها قليلة البضاعة في الحديث، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى اعتبار أن فقه الرأي شاع في الكوفة لقلة الحديث، فلو كانت لديهم الأحاديث لما احتاجوا إلى الرأي، وهذا كله زور وبهتان، فهل الدين يؤخذ من العقل؟ حتى يصح ذلك، أما يدرك الناشئة من طلبة العلم أن مصدر الأحكام الشرعية هو الكتاب والسنة، وأن باقي المصادر الشرعية المذكورة في أصول الفقه راجعة لهما، فالقرآن والسنة هما المادة الأساسية لاستخراج الأحكام الشرعية، فمن لا يملكهما لا يستطيع جزمًا أن يستخرج شيئًا من الأحكام، إلا إذا اعتبرنا العقل مشرعًا.
فلما سبق فإنني أردت في هذا البحث أن أرفع الستار عن حقيقة مدرسة الكوفة التي ضلَّ في النظر إليها أقوام؛ ليكون بصيرةً لأولي الأبصار، ومرشدًا لأهل الرشاد.
وسعيًا في تحقيق ذلك فسيكون الكلام في حال الصحابة الذين نزلوا في الكوفة وما قاموا به من نشر للعلم، ثم في كيفية نقل فعلهم وأقوالهم وتواترها جيلًا بعد جيل إلى أن وصلت إلى إمام الأئمة أبي حنيفة - رضي الله عنه - الذي نقل فقه إلينا بطرق متواترة أو مشهورة.
فمَن يدقِّق النظر يجد أن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله المنقول من خلال مدرسة الكوفة ظفر بعناية فائقة في كل طبقة من الطبقات حتى وصل إلينا، بلا شكّ في رجل من السند، أو وهم راوٍ، أو تدليس شيخ، أو اضطراب لفظ وسند، أو انقطاع، أو نقل حديث بالمعنى، أو غيرها مما يقع في الحديث النبوي الشريف؛ لأنه نقل من طريق الفقهاء الكبار الضابطين في كل طبقة البالغ عددهم حدّ التواتر، بخلاف ما يكون مرويًا بطرق بعض الرواة، وبطرق آحاد.