بسبب ذلك وجدنا الإمام مالك - رضي الله عنه - لا يعير بالًا لحديث مخالف لعمل أهل المدينة، ليس لأن فعل أهل المدينة مقدّم على كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا عاقل يقول بذلك، بل لأنه - رضي الله عنه - يسعى التثبت فيما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالكل راجع له - صلى الله عليه وسلم -، ومسترشد بقوله، فما نقل بطرق متواترة من فعل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة - رضي الله عنهم - المقيمين بالمدينة، ومن التابعين ومن بعدهم - رضي الله عنهم - جزمًا أقوى مما نقل بطرق آحاد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمكن أن الراوي نسي أو أخطأ أو غير معنى أو غير ذلك مما يطول (1) .
وهذا الأمر بتمامه حاصل بالكوفة، فهي حاضرة الإسلام بعد المدينة المنورة، وفيها حلّ كبار الصحابة - رضي الله عنهم - وفقهوا أهلها وحمل عنهم التابعين ومَن بعدهم وعلى رأسهم الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فكل ما يخالف العمل المتوارث المنقول من فعل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطرق المتظافرة نجد الإمام أبو حنيفة لا يتركه لحديث حفظ راويه أو نسي، كما كان يفعل أئمة مدرسة الكوفة من قبله، فها هو الإمام إبراهيم النَّخَعيّ - رضي الله عنه - يحتجّ بذلك العمل المتوارث من صحابة رسول اله - صلى الله عليه وسلم - الذين نزلوا في الكوفة في مسألة، فيقول: (( هبط الكوفة ثلاثمئة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر، لا نعلم أحدًا منهم قصر، ولا صلَّى الركعتين اللتين قبل المغرب ) ) (2) .
(1) وتمام الكلام في عمل أهل المدينة في الكتب المتخصصة في ذلك مثل: عمل أهل المدينة ، و خبر الواحد إذا خالف عمل أهل المدينة ، و المسائل التي بناها الإمام مالك على عمل أهل المدينة ، وغيرها من مطبوعات مركز البحوث في دولة الإمارات.
(2) ينظر: طبقات ابن سعد 6: 9.