الصفحة 28 من 306

فهذه الحقيقة واضحة لكل مشتغل بالمذهب الحنفي والاستدلال له، فكل مسألة خالف فيها أبو حنيفة غيره وأعوزه الحديث فيها، وجدنا أنه قد قال بها ابن مسعود - رضي الله عنه - أو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أو غيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلّوا في الكوفة، وكان عمل فقهاء أهل الكوفة المعتمدين عليها، حتى وصل للإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فاعتماده - رضي الله عنه - على هذا النقل المستفيض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغنيه عن حديث الآحاد فيها.

وحاصل الكلام أن مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة اعتمدتا في فقههما على النقل المتوارث جيلًا بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما اختلف فيه، فكل منهما يقدم ما نقل مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلوا في بلده، ومَن بعدهم من الفقهاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتج به، وهذا وإن كان مصرحًا به في كتب المالكية ومنها (( الموطأ ) )، إلا أننا نلاحظ الأمر نفسه متبع في كتب الأحناف ضمنًا لمن يراجع كتب الاستدلال لهم ككتاب (( إعلاء السنن ) )، وغيره، بخلاف ما عند الشافعية من الاعتماد على نقل الثقة عن غيره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا هو سبيل الإمام الشافعي - رضي الله عنه - للظفر بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لتأخره زمانًا عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، وتنقله بين البلاد، فلمّا لم يحصل له ما حصل لهما من النقل المدرسي المتوارث، ولا ضير عليه في ذلك؛ لأن كلًا منهما أصل الأصول المعتبرة في استخراج الفروع ونقل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى غدا كلّ واحد منها لإحكام قواعده راجح في ذاته إذا نظرنا لمسائله من خلال أصوله، مرجوح لمقلّد غيره إذا نظر له من خلال أصول غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت