الفصل الخامس
تفقيهه وتدوينه
ومؤلفاته وتلاميذه
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: طريقة الإمام أبي حنيفة في التفقيه وتدوين فقهه
المبحث الثاني: مؤلفات الإمام أبي حنيفة ووصيته
المبحث الثالث: تلاميذ الإمام أبي حنيفة
المبحث الأول
طريقة الإمام أبي حنيفة
في التفقيه وتدوين فقهه
أولًا: طريقته في التفقيه:
تولَّى الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - زمام الفقه بعد شيخه حماد بن أبي سليمان - رضي الله عنه - خوفًا من ضياعه، قال حماد بن سلمة - رضي الله عنه: (( كان مفتي الكوفة والمنظور إليه في الفقه بعد موت إبراهيم النخعي حماد بن أبي سليمان - رضي الله عنه - فكان الناس به أغنياء، فلما مات احتاجوا إلى من يجلس لهم، وخاف أصحابه أن يموت ذكره ويندرس العلم… فسألوا أبا حنيفة - رضي الله عنه - ، فقال: ما أحب أن يموت العلم، فساعدهم وجلس لهم، فاختلفوا إليه، ثم اختلف إليه بعدهم أبو يوسف وأسد بن عمرو والقاسم بن معن وزفر…فكان أبو حنيفة يفقههم في الدين، وكان شديد البر بهم والتعاهد، وكان ابن أبي ليلى وابن شبرمة وشريك وسفيان يخالفونه ويطلبون شينه، فلم يزل كذلك حتى استحكم أمره واحتاج إليه الأمراء وذكره الخلفاء ) ) (1) .
وكان حال الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - في التعليم أنه لم يكن يحمل أصحابه على قبول ما يلقيه عليهم، بل كان يحملهم على إبداء ما عندهم، إلى أن يتضح عندهم الأمر، كوضح الصبح، فيقبلون ما وضح دليله، وينبذون ما سقطت حجته، وكان يقول ما معناه: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا، حتى يعلم من أين قلنا، وهذا هو سر ظهور مذهبه في الخافقين، ظهورًا لم يعهد له مثيل، وهو السبب الأصلي لبراعة المتفقهين عليه، وكثرتهم، إذ طريقته تلك هي الطريقة المثلى في التدريب على الفقه، وتنشئة الناشئين.
(1) ينظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص7، وغيره.