الصفحة 254 من 306

قال أسد بن عمرو - رضي الله عنه: (( كانوا يختلفون عند أبي حنيفة في جواب المسألة، فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي الجواب من كثب ـ أي من قرب ـ وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام، ثم يكتبونها في الديوان ) ).

وقال الإمام زفر - رضي الله عنه: (( كنّا نختلف إلى أبي حنيفة، ومعنا أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، فكنا نكتب عنه، قال زفر - رضي الله عنه: فقال يومًا أبو حنيفة - رضي الله عنه - لأبي يوسف - رضي الله عنه: ويحك يا يعقوب، لا تكتب كل ما تسمع مني، فإني قد أرى الرأي اليوم، وأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا، وأتركه في غده ) ) (1) .

أنظر كيف كان ينهى أصحابه عن تدوين المسائل، إذا تعجل أحدهم بكتابتها قبل تمحيصها كما يجب، فإذا أحطت خبرًا، بما سبق علمت صدق ما يقوله الموفق المكي (2) حيث قال: (( وضع أبو حنيفة - رضي الله عنه - مذهبه شورى بينهم، لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادًا منه في الدين، ومبالغة في النصيحة لله، ورسوله، والمؤمنين، فكان يلقي المسائل مسألة مسألة، ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرًا، أو أكثر، حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول، حتى أثبت الأصول كلها، وهذا يكون أولى وأصوب، وإلى الحق أقرب، والقلوب إليه أسكن، وبه أطيب، من مذهب من انفرد، فوضع مذهبه بنفسه، ويرجع فيه إلى رأيه ) ) (3) .

(1) ينظر: تاريخ ابن معين 3: 504، وغيره.

(2) في مناقب أبي حنيفة 2: 133.

(3) ينظر: مقدمة نصب الراية ص315-316، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت