الصفحة 229 من 306

اشتهر عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - أخذه بالاستحسان (1) حتى امتلأت كتب الحنفية به، وهذا الاستحسان على وجهين:

(1) قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - في مقدمة نصب الراية ص291-292: ظن أناس ممن لم يمارس العلم، ولم يؤت الفهم، أن الاستحسان عند الحنفية هو الحكم بما يشتهيه الإنسان، ويهواه ويلذه، حتى فسره ابن حزم في أحكامه بأنه ما اشتهته النفس ووافقتها، خطأً أو صوابًا !!

لكن لا يقول بمثل هذا الاستحسان فقيه من الفقهاء، فلو كان هذا مراد الحنفية بالاستحسان، لكان للمخالفين ملء الحق، في تقريعهم والردّ عليهم، إلا أن المخالفين ساءت ظنونهم، وطاشت أحلامهم، فوجَّهوا سهامًا إليهم، ترتد إلى أنفسهم، وذلك لتقاصر أفهامهم عن إدراك مرامهم، ودقة مدرك هذا البحث في حد ذاته.

وليس بين القائلين بالقياس من لا يستحسن بالمعنى الذي يريده الحنفية، وهذا الموضع لا يتسع لذكر نماذج من مذاهب الفقهاء، في الأخذ بالاستحسان، و"إبطال الاستحسان"ما هو إلا سبق قلم من الإمام الشافعي رضي الله عنه، فلو صحت حججه في إبطال الاستحسان، لقضت على القياس الذي هو مذهبه، قبل أن يقضي على الاستحسان.

ومن الحكايات الطريفة في هذا الباب، ما يروى عن إبراهيم بن جابر، أنه لما سأله أحد كبار القضاة في عهد المتقي لله العباسي، عن سبب انتقاله من مذهب الشافعي إلى مذهب أهل الظاهر، جاوبه قائلًا:"إني قرأت إبطال الاستحسان للشافعي، فرأيته صحيحًا في معناه، إلا أن جميع ما احتج به في إبطال الاستحسان هو بعينه يبطل القياس، فصح به عندي بطلانه"، كأنه لم يرد أن يبقى في مذهب يهدُّ بعضه بعضًا، فانتقل إلى مذهب يبطلهما معًا!!

لكن القياس والاستحسان كلاهما بخير، لم يبطل واحد منهما بالمعنى الذي يريده القائلون بهما، بل الخلاف بين أهل القياس في الاستحسان، لفظي بحت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت