أخبر أنَّه لم يره، وإنّما رأى نورًا، أو كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر؟. وهذا مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر:"حجابه النور" [1] ، وفي الحديث الآخر:"لم أره بعيني ولكن رأيتُه بقلبي مرتين" [2] وتلا {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: 8] [3] .
= فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت، فقال:"رأيت نورًا". وأما الثّاني فعن أبي ذر قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال:"نور أنى أراه".
(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله - عليه السلام:"إن الله لا ينام"، وفي قوله:"حجابه النور" (1/ 161 - 162) رقم (179) من حديث أبي موسى بلفظه، قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس كلمات فقال:"إن الله - عز وجل - لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور"، وفي رواية أبي بكر:"النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب معنى قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} (1/ 158) رقم (176) ، من حديث ابن عبّاس في قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} قال: رآه بفؤاده مرتين.
(3) اختلفت أقوال السلف من الصّحابة والتابعين وأتباعهم في رؤية النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لربه ليلة المعراج، وهي في مجملها على ثلاثة أضرب:
الأوّل: أقوال تثبت الرؤية مطلقًا.
الثّاني: أقوال تنفي الرؤية مطلقًا.
الثّالث: أقوال تقيد الرؤية بالرؤية القلبية لا البصرية.
ومن ثم اختلف أهل العلم بعدهم في تحرير أقوالهم على مذهبين:
المذهب الأوّل: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تضاد لا تنوع يوجب الترجيح بينها لا الجمع، واختلف القائلون بذلك في القول الراجح منها ووجهه.
والمذهب الثّاني: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تنوع لا تضاد يوجب الجمع لا الترجيح.
والمذهب الثّاني هو الصّحيح - والله أعلم - واختاره جمع من المحققين منهم شيخ =