فهرس الكتاب
"صفحة رقم 200"
وليس من الناس لعدم تمييزه ، كما قال الشاعر: ليس من الناس ولكنه
يحسبه الناس من الناس
ويحتمل أن تكون الألف واللام للعهد ، ويعني به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) وأصحابه ، قاله ابن عباس ، أو عبد الله بن سلام ، ونحوه ممن حسن إسلامه من اليهود ، قاله مقاتل ، أو معاذ بن جبل ، وسعد بن معاذ ، وأسيد بن الحضير ، وجماعة من وجوه الأنصار عدهم الكلبي . والأولى حملها على العهد ، وأن يراد به من سبق إيمانه قبل قول ذلك لهم ، فيكون حوالة على من سبق إيمانه لأنهم معلومون معهودون عند المخاطبين بالأمر بالإيمان . والتشبيه في: ) كَمَا ءامَنَ النَّاسُ ( إشارة إلى الإخلاص ، وإلا فهم ناطقون بكلمتي الشهادة غير معتقديها . أنؤمن: معمول لقالوا ، وهو استفهام معناه الإنكار أو الاستهزاء . ولما كان المأمور به مشبهًا كان جوابهم مشبهًا في قولهم: ) أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء ( ، والقول في الكاف وما في هذا كالقول فيهما في: ) كَمَا ءامَنَ النَّاسُ ). والألف واللام في السفهاء للعهد ، فيعني به الصحابة ، قاله ابن عباس ؛ أو الصبيان والنساء ، قاله الحسن ، أو عبد الله بن سلام وأصحابه ، قاله مقاتل ، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج تحته من فسر به الناس من المعهودين ، أو الكاملون في السفه ، أو لأنهم انحصر السفه فيهم إذ لا سفيه غيرهم . وأبعد من ذهب إلى أن الألف واللام للصفة الغالبة نحو: العيوق والدبران ، لأنه لم يغلب هذا الوصف عليهم ، فصاروا إذا قيل: السفهاء ، فهم منه ناس مخصوصون ، كما يفهم من العيوق نجم مخصوص . ويحتمل قولهم: ) كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء ( أن يكون ذلك من باب التعنت والتجلد حذرًا من الشماتة ، وهم عالمون بأنهم ليسوا بسفهاء . ويحتمل أن يكون ذلك من باب الإعتقاد الجزم عندهم ، فيكونوا قد نسبوهم للسفه معتقدين أنهم سفهاء ، وذلك لما أخلوا به من النظر والفكر الصحيح المؤدّي إلى إدراك الحق ، وهم كانوا في رئاسة ويسار ، وكان المؤمنون إذ ذاك أكثرهم فقراء وكثير منهم موال ، فاعتقدوا أن من كان بهذه المثابة كان من السفهاء لأنهم اشتغلوا ما لا يجدي عندهم وكسلوا عن طلب الرئاسة والغنى وما به السؤدد في الدنيا ، وذلك هو غاية السفه عندهم . وفي قوله: ) كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء ( إثبات منهم في دعواهم بسفه المؤمنين أنهم موصوفون بضد السفه ، وهو رزانة الأحلام ورجحان العقول ، فرد الله عليهم قولهم وأثبت أنهم هم السفهاء ، وصدر الجملة بألا التي للتنبيه لينادي عليهم المخاطبين بأنهم السفهاء ، وأكد ذلك بأن وبلفظ هم . وإذا التقت الهمزتان والأولى مضمومة والثانية مفتوحة من كلمتين نحو: ) السُّفَهَاء أَلا ( ، ففي ذلك أوجه .
أحدها: تحقيق الهمزتين ، وبذلك قرأ الكوفيون ، وابن عامر . والثاني: تحقيق الأولى وتخفيف الثانية بإبدالها واوًا كحالها إذا كانت مفتوحة قبلها ضمة في كلمة نحو: أواتي مضارع آتى ، فاعل من أتيت ، وجؤن تقول: أواتي وجون ، وبذلك قرأ الحرميان ، وأبو عمرو . والثالث: تسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو ، وتحقيق الثانية . والرابع: تسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو وإبدال الثانية واوًا . وأجاز قوم وجهًا . خامسًا: وهو جعل الأولى بين الهمزة والواو