فهرس الكتاب
"صفحة رقم 212"
الابتداء من قولهم: زيد جاءت هند فضربتها ، ويكون العائد على الذين الضمير الذي في جواب لما ، وهو قوله تعالى: ) ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ( ، ولم يذكر أحد ممن وقفنا على كلامه تخريج قراءة ابن السميمع .
واستوقد: استفعل ، وهي بمعنى افعل . حكى أبو زيد: أوقد واستوقد بمعنى ، ومثله أجاب واستجاب ، وأخلف لأهله واستخلف أي خلف الماء ، أو للطلب ، جوز المفسرون فيها هذين الوجهين من غير ترجيح ، وكونها بمعنى أوقد ، قول الأخفش ، وهو أرجح لأن جعلها للطلب يقتضي حذف جملة حتى يصح المعنى ، وجعلها بمعنى أوقد لا يقتضيه . ألا ترى أنه يكون المعنى في الطلب استدعوا نارًا فأوقدوها ، ( فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ( ، لأن الإضاءة لا تتسبب عن الطلب ، إنما تتسبب عن الاتقاد ، فلذلك كان حملها على غير الطلب أرجح ، والتشبيه وقع بين قصة وقصة ، فلا يحتاج في نحو هذا التشبيه إلى مقابلة جماعة بجماعة . ألا ترى إلى قوله تعالى: ) مَثَلُ الَّذِينَ حُمّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ( ، وعلى أنه في قوله: ) كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا ( ، هو من قبيل المقابلة أيضًا ؟ ألا ترى أن المعنى هو كمثل الجمع ؟ أو الفوج الذي استوقد ، فهو من المفرد اللفظ المجموع المعنى . على أن من المفسرين من تخيل أنه مفرد ورام مقابلة الجمع بالجمع ، فادعى أن ذلك هو على حذف مضاف التقدير ، كمثل أصحاب الذي استوقد ، ولا حاجة إلى هذا الذي قدره لأنه لو فرضناه مفردًا لفظًا ومعنى لما احتيج إلى ذلك ، لأن التشبيه إنما جرى في قصة بقصة ، وإذا كان كذلك فلا تشترط المقابلة ، كما قدمنا ، ونكر نارًا وأفردها ، لأن مقابلها من وصف المنافق إنما هو نزر يسير من التقييد بالإسلام ، وجوانحه منطوية على الكفر والنفاق مملوأة به ، فشبه حاله بحال من استوقد نارًا ما إذ ما إذ لا يدل إلا على المطلق ، لا على كثرة ولا على عهد ، والفاء في فلما للتعقيب ، وهي عاطفة جملة الشرط على جملة الصلة ، ومن زعم أنها دخلت لما تضمنته الصلة من الشرط وقدره إن استوقد فهو فاسد من وجوه ، وقد تقدم الرد على ما يشبه هذا الزعم في قوله: ) فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ( ، فأغنى عن إعادته هنا .
وأضاءت: قيل متعد وقيل لازم ومتعد ، قالوا: وهو أكثر وأشهر ، فإذا كان متعديًا كانت الهمزة فيه للنقل ، إذ يقال: ضاء المكان ، كما قال العباس بن عبد المطلب ، في النبي عليه الصلاة والسلام: وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق . والفاعل إذ ذاك ضمير النار وما مفعولة وحوله صلة معمولة لفعل محذوف لا نكرة موصوفة وحوله صفة لقلة استعمال ما نكرة موصوفة ، وقد تقدم لنا الكلام في ذلك ، أي فلما أضاءت النار المكان الذي حوله ، وإذا كان لازمًا فقالوا: إن الضمير في أضاءت للنار ، وما زائدة ، وحوله ظرف معمول للفعل ، ويجوز أن يكون الفاعل ليس ضمير النار ، وإنما هو ما الموصولة وأنث على المعنى ، أي: فلما أضاءت الجهة التي حوله ، كما أنثوا على المعنى في قولهم: ما جاءت حاجتك . وقد ألم الزمخشري بهذا الوجه ، وهذا أولى مما ذكروه لأنه لا يحفظ من كلام العرب: جلست ما مجلسًا حسنًا ، ولاقت ما يوم الجمعة ، والحمل على المعنى محفوظ ، كما ذكرناه ، ولو سمع زيادة في ما نحو هذا ، لم يكن ذلك من مواضع اطراد زيادة ما ، والأولى في الآية بعد ذلك أن يكون أضاءت متعدية ، فلا تحتاج إلى تقدير زيادة ، ولا حمل على المعنى .
وقرأ ابن السميفع ، وابن أبي عبلة: فلما أضاءت ثلاثيًا فيتخرج على زيادة ما وعلى أن تكون هي الفاعلة ، إما موصولة وإما موصوفة ، كما تقدم ، ولما جوابها: )ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ( ، وجمع الضمير في: بنورهم حملًا على معنى الذي ، إذ قررنا أن المعنى كالجمع الذي استوقد ، أو على ذلك المحذوف الذي قدره بعضهم ، وهو كمثل أصحاب الذي استوقد ،