فهرس الكتاب
"صفحة رقم 213"
وأجازوا أن يكون جواب لما محذوفًا لفهم المعنى ، كما حذفوه في قوله: ) فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ ( ، الآية . قال الزمخشري: وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس الدال عليه ، انتهى . وقوله: لاستطالة الكلام غير مسلم لأنه لم يستطل الكلام ، لأنه قدره خمدت ، وأي استطالة في قوله: ) فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ( ، خمدت ؟ بل هذا لما وجوابها ، فلا استطالة بخلاف قوله: ) فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ ( ، فإن الكلام قد طال بذكر المعاطيف التي عطفت على الفعل وذكر متعلقاتها بعد الفعل الذي يلي لما ، فلذلك كان الحذف سائغًا لاستطالة الكلام . وقوله: مع أمن الإلباس ، وهذا أيضًا غير مسلم ، وأي أمن إلباس في هذا ولا شيء يدل على المحذوف ؟ بل الذي يقتضيه ترتيب الكلام وصحته ووضعه مواضعه أن يكون ) ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ( هو الجواب ، فإذا جعلت غيره الجواب مع قوة ترتب ذهاب الله بنورهم على الإضاءة ، كان ذلك من باب اللغز ، إذ تركت شيئًا يبادر إلى الفهم وأضمرت شيئًا يحتاج في تقديره إلى وحي يسفر عنه ، إذ لا يدل على حذفه اللفظ مع وجود تركيب ) ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ).
ولم يكتف الزمخشري بأن جوز حذف هذا الجواب حتى ادعى أن الحذف أولى ، قال: وكان الحذف أولى من الإثبات ، لما فيه من الوجازة مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ للفظ في أداء المعنى ، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت ، فبقوا خابطين في ظلام ، متحيرين متحسرين على فوت الضوء ، خائبين بعد الكدح في إحياء النار ، انتهى . وهذا الذي ذكره نوع من الخطابة لا طائل تحتها ، لأنه يمكن له ذلك لو لم يكن يلي قوله: ) فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ( ، قوله: ) ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ). وأما ما في كلامه بعد تقدير خمدت إلى آخره ، فهو مما يحمل اللفظ ما لا يحتمله ، ويقدر تقادير وجملًا محذوفة لم يدل عليها الكلام ، وذلك عادته في غير ما كلام في معظم تفسيره ، ولا ينبغي أن يفسر كلام الله بغير ما يحتمله ، ولا أن يزاد فيه ، بل يكون الشرح طبق المشروح من غير زيادة عليه ولا نقص منه . ولما جوز واحذف الجواب تكلموا في قوله تعالى: ) ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ( ، فخرجوا ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون مستأنفًا جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد ؟ فقيل: ذهب الله بنورهم . والثاني: أن يكون بدلًا من جملة التمثيل على سبيل البيان ، قالهما الزمخشري ، وكلا الوجهين مبنيان على أن جواب لما محذوف ، وقد اخترنا غيره وأنه قوله تعالى: ) ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ( والوجه الثاني من التخريجين اللذين تقدم ذكرهما ، وهو أن يكون قوله: ) ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ( بدلًا من جملة التمثيل ، على سبيل البيان ، لا يظهر في صحته ، لأن جملة التمثيل هي قوله: ) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ( بدلًا من هذه الجملة ، على سبيل البيان ، لا يصح ، لأن البدل لا يكون في الجمل إلا إن كانت الجملة فعلية تبدل من جملة فعلية ، فقد ذكروا جواز ذلك . أما أن تبدل جملة فعلية من جملة إسمية فلا أعلم أحدًا أجاز ذلك ، والبدل على نية تكرار العامل . والجملة الأولى لا موضع لها من الإعراب لأنها لم تقع موقع المفرد ، فلا يمكن أن تكون الثانية على نية تكرار العامل ، إذ لا عامل في الأولى فتكرر في الثانية فبطلت جهة البدل فيها ، ومن جعل الجواب محذوفًا جعل الضمير في